فهرس الكتاب
وُقُوعِ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ الرِّقُّ مُسْتَمِرًّا مَا لَمْ يُعْتِقْهُ مَنْ دَخَلَ مِلْكَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَجَازَ الرُّجُوعَ فِي التَّدْبِيرِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَلَا إخْرَاجُهُ بِوَجْهٍ مُطْلَقًا ، إمَّا إلَى وَقْتِ التَّدْبِيرِ الْمَجْهُولِ فَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا إذْ لَا يَدْرِي مَتَى يَكُونُ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَمَا يَلْتَحِقُ بِهِ مِثْلُهُ ، وَإِمَّا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فَفِيهِ خُلْفُ الْوَعْدِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَإِنْ نَوَى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَفِيهِ أَيْضًا خُلْفُ الْوَعْدِ فِي حَقِّ اللَّهِ بَلْ كُلُّ مَا كَانَ حَقًّا لِلْمَخْلُوقِ فَهُوَ أَيْضًا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَهَى عَنْ خَلْفِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } ، وَفِي الدِّيوَانِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ } وَإِمَّا إلَى وَقْتٍ مَخْصُوصٍ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فَإِنْ أُرِيدَ ذَلِكَ فَلْيَكْتَفُوا عَنْهُ بِأَنْ يُؤَاجِرَ لَهُ قُوَّتَهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ الْمَعْلُومَةَ الْمِقْدَارِ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي المورج بِجَوَازِ بَيْعِ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجِيزَهَا مَعَ جَهْلِ الْمُدَّةِ مَعَ عِلْمِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَ مِنْ الْمُدَبَّرِ خِدْمَتَهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي لِكُلِّ شَهْرٍ كَذَا وَلَك كُلُّ مَا خَدَمْت ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا رِبًا بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ ، وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْخِدْمَةُ وَمَا يُعْطِيهِ فِي الْجِنْسِ ، وَاسْتَدَلَّ مُجِيزُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَاسْتِمْرَارِ عُبُودِيَّتِهِ بِمَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: { أَنَّ رَجُلًا مِنَّا - يَعْنِي مِنْ الْأَنْصَارِ - أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَدَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَبَاعَهُ } ، قَالَ الرَّاوِي عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: