فهرس الكتاب
صَبْرُ سَاعَةٍ ، وَسُئِلَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: هِيَ الصَّبْرُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ فُوَاقَ نَاقَةٍ ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَارَّ مِنْ الْقِتَالِ طَرِيدَةٌ مِنْ طَرَائِدِ الْمَوْتِ ، وَاسْتِقْبَالُ الْمَوْتِ خَيْرٌ مِنْ اسْتِدْبَارِهِ ، وَرُبَّ حَيَاةٍ سَبَبُهَا التَّعَرُّضُ لِلْآفَاتِ وَوَفَاةٍ سَبَبُهَا طَلَبُ الْحَيَاةِ ، وَمَنْ حَرَصَ عَلَى الْمَوْتِ فِي الْجِهَادِ وُهِبَتْ لَهُ الْحَيَاةُ ، وَقَالُوا: الْهَزِيمَةُ شَفْرَةٌ مِنْ شِفَارِ الْمَوْتِ ، وَالْفَارُّ يُمَكِّنُ [ مِنْ ] نَفْسِهِ ، وَالْمُقَاتِلُ يَدْفَعُ عَنْهَا ، وَثَمَرَةُ الشَّجَاعَةِ الْأَمْنُ مِنْ الْعَدُوِّ ، وَمَنْ قُتِلَ مُدْبِرًا مِنْ الْحَرْبِ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ مُقْبِلًا ، وَقَالُوا: تَأْخِيرُ الْأَجَلِ حِصْنُ الْمُحَارِبِ ، قِيلَ لِبَعْضٍ: فِي أَيِّ جُثَّةٍ تُحِبُّ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ ؟ قَالَ: فِي أَجَلٍ مُتَأَخِّرٍ ، وَقِيلَ لِآخَرَ: فِي أَيِّ سِلَاحٍ تَشْتَهِي أَنْ تُقَاتِلَ عَدُوَّكَ ؟ قَالَ: فِي أَجَلٍ مُتَأَخِّرٍ عَنِّي ، وَانْقِضَاءِ مُدَّةٍ مِنْهُ ، وَقَالَ عَلِيٌّ: إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ كَانَتْ الْهَلَكَةُ فِي الْحَيَاةِ وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ كَرِيهَةٍ تُدْفَعُ أَوْ مَكْرُمَةٍ تُكْسَبُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِالشَّجَاعَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إذَا هَمَمْتَ بِبَذْلِ شَيْءٍ مِنْ مَالِكَ حَارَ طَبْعُكَ وَوَهَنَ قَلْبُكَ وَعَجَزَتْ نَفْسُكَ بِشُحِّهَا بِهِ ، وَإِذَا حَقَّقْتَ عَزْمَكَ وَقَوَّيْتَ نَفْسَكَ وَقَهَرْتَ عَجْزَكَ أَعْطَيْتَ مَا ضَنَنْتَ بِهِ مِنْ مَالِكَ ، وَعَلَى قَدْرِ قُوَّةِ الْقَلْبِ وَضَعْفِهِ تَطِيبُ بِإِخْرَاجِهِ وَتَكْرَهُ إخْرَاجَهُ ، وَعَلَى هَذَا النَّمَطِ جَمِيعُ الْفَضَائِلِ مَتَى لَمْ تُقَارِنْهَا قُوَّةُ النَّفْسِ لَمْ تَتَحَقَّقْ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { الشَّجَاعَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ فِيمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } "، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يُصَابِرُ امْتِثَالَ الْأَوَامِرِ ، وَبِقُوَّةِ الطِّبِّ يَنْتَهِي عَنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَالتَّلْطِيخِ بِالرَّذَائِلِ ."
قَالَ الشَّاعِرُ: جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالْخُضُوعَ لِرَبِّهِ مَا أَحْسَنَ الْمِحْرَابَ فِي