وَمِنْ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الرِّئَاءِ وَالْحَيَاءِ أَنْ يَمْشِيَ رَجُلٌ عَلَى الْعَجَلَةِ فَيَرَى وَاحِدًا مِنْ الْكُبَرَاءِ فَيَعُودُ إلَى الْهُدُوءِ أَوْ يَضْحَكُ فَيَرْجِعُ إلَى الِانْقِبَاضِ وَالْأَغْلَبُ فِيهِمَا الرِّئَاءُ لِأَنَّ الرِّئَاءَ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالذُّنُوبِ وَهُوَ فِيهِمَا مَحْمُودٌ ، وَأَمَّا الْحَيَاءُ مِنْ الْمَنْدُوبِ وَالسُّنَّةِ وَالْوَاجِبِ فَمَذْمُومٌ جِدًّا وَيُسَمَّى عَجْزًا وَضَعْفًا وَخَوَرًا كَمَنْ يَسْتَحِي مِنْ الْوَعْظِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهَا فَالْقَوِيُّ يُؤْثِرُ الْحَيَاءَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْحَيَاءِ مِنْ النَّاسِ وَاعْلَمْ أَنْ آفَةَ الْعُجْبِ وَالرِّئَاءِ شَدِيدَةُ الْغَبْنِ رُبَّمَا أَفْسَدَتْ عَلَيْكَ عَمَلَ سَبْعِينَ سَنَةً ، وَأَقَلُّ طَاعَةٍ سَلِمَتْ مِنْهُمَا لَهَا ثَوَابٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ ، وَأَكْبَرُ طَاعَةٍ أَصَابَهَا أَحَدُهُمَا لَا قِيمَةَ لَهَا إلَّا إنْ تَدَارَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَعَنْ وَهْبٍ: كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ عَبَدَ اللَّهَ سَبْعِينَ سَنَةً لَا يَفْطُرُ إلَّا مِنْ سَبْتٍ إلَى سَبْتٍ فَطَلَبَ مِنْ اللَّهِ حَاجَةً فَلَمْ تُقْضَ فَقَالَ لِنَفْسِهِ: مِنْ قِبَلِكِ أُتِيتُ لَوْ كَانَ عِنْدَكِ خَيْرٌ قُضِيَتْ حَاجَتُكِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا يَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ سَاعَتُكَ الَّتِي أَزْرَيْتَ فِيهَا نَفْسَكَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ عِبَادَتِكَ الَّتِي مَضَتْ ؛ فَالشَّأْنُ فِي تَصْفِيَةِ الْعَمَلِ عَمَّا يُفْسِدُهُ ، فَجَوْهَرَةٌ وَاحِدَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ خَرَزَةٍ ، وَمَا يُغْنِي رَفْعُ سُقُوفِكَ وَلَمْ تُحْكِمْ مَبَانِيَهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ مَلِكٌ عَظِيمٌ لَا نِهَايَةَ لِجَلَالِهِ تَحْتَاجُ أَنْ تَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا صَافِيًا يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَكَثْرَةِ أَيَادِيهِ لَدَيْكَ وَإِلَّا فَاتَكَ الرِّبْحُ الْعَظِيمُ ، وَرُبَّمَا أَصَابَتْكَ مُصِيبَةٌ لَا تُطِيقُهَا فِي دِينِكَ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } الْآيَةَ ، وَقَالَ: { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } وَكَأَنَّهُ قَالَ: إنِّي خَلَقْتُ