عَنْهُمَا: إنَّهُ لَوْ أَتَى إلَى بِئْرِ كَذَا لَنَفِذَ الْمَاءُ ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ قَالَ لَهُ: { قُلْ لَهُمَا قَدْ أَكَلْتُمَا اللَّحْمَ فِي أَفْوَاهِكُمَا ، فَقَالَا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا شَيْءٌ وَمَا أَكَلْنَا اللَّحْمَ الْيَوْمَ ، فَقَالَ: أَكَلْتُمَا لَحْمَ أَخِيكُمَا حِينَ قُلْتُمَا حِينَ غَابَ عَنْكُمَا ، ثُمَّ قَالَ:: أَتُحِبَّانِ أَنْ تَأْكُلَا لَحْمَهُ مَيْتًا ؟ فَقَالَا: لَا ، فَقَالَ: فَكَمَا كَرِهْتُمَا أَنْ تَأْكُلَا لَحْمَهُ مَيْتًا فَلَا تَغْتَابَاهُ فَإِنَّهُ مَنْ اغْتَابَ أَخَاهُ فَقَدْ أَكَلَ لَحْمَهُ } فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } الْآيَةَ .
وَلَا غِيبَةَ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إذَا ذُكِرَ تَنْقِيصًا لَهُ لِمَعْصِيَتِهِ لِتُهَانَ الْمَعَاصِي أَوْ لِيَحْذَرَ مِنْهُ ، وَأَمَّا ذِكْرُهُ عَبَثًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضُهُمْ غِيبَةً ، وَأَمَّا ذِكْرُهُ انْتِقَامًا مِنْهُ لِلنَّفْسِ أَوْ تَرَفُّعًا عَلَيْهِ فَغِيبَةٌ ، وَقَدْ ذُكِرَتْ امْرَأَةٌ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا بَخِيلَةٌ فَقَالَ: { وَمَا خَيْرُهَا } ؟ .
إذْ قَالَ ذَلِكَ لِيُفِيدَ الْأُمَّةَ مَذَمَّةَ الْبُخْلِ وَيَزِيدَ تَنْفِيرَهُمْ عَنْ الْبُخْلِ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ فِي مَكَان مِنْ الْعِبَادَةِ ( وَإِنْ فِي غِيبَتِهِ ) أَيْ عَدَمِ حُضُورِهِ وَهِيَ الْغِيبَةُ اللُّغَوِيَّةُ فَلَا دَوْرَ ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ الْغِيبَةُ الْعُرْفِيَّةُ ، وَإِنَّمَا غَيًّا بِعَدَمِ حُضُورِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حُضُورَهُ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّهُ يَسْمَعُ مَا يَكْرَهُ ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَحْضُرْ وَوَصَلَ إلَيْهِ مَا يَكْرَهُ فَالْغِيبَةُ فِي هَذَا الْعُرْفِ تَكُونُ بِحَضْرَةِ الْمُغْتَابِ كَمَا تَكُونُ فِي عَدَمِ حُضُورِهِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى غِيبَةً إلَّا إنْ لَمْ يَحْضُرْ اتِّبَاعًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ ؛ فَإِنْ حَضَرَ سُمِّيَ ذَلِكَ بِأَسْمَاءِ أُخَرَ كَالسَّبِّ وَالظُّلْمِ وَالْإِضْرَارِ وَإِذَا كَتَبَ إلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَذَلِكَ كَالْحُضُورِ فَذِكْرُهُ بِمَا يُنْقِصُهُ فِي حَضْرَتِهِ أَوْ بِكِتَابٍ إلَيْهِ أَوْ