الْمَعَاصِي وَيَتَفَاخَرُونَ بِهَا فَكَيْفَ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَهُمْ يَقْصِدُونَ إظْهَارَهُ ، نَعَمْ ، لَوْ اغْتَابَهُ بِغَيْرِ مَا يَتَظَاهَرُ بِهِ أَثِمَ ، أَيْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ لِوَجْهِ اللَّهِ .
وَقَالَ عَوْفٌ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَتَنَاوَلْتُ عِنْدَهُ الْحَجَّاجَ فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنَّ اللَّهَ حَكَمٌ عَدْلٌ يَنْتَقِمُ لِلْحَجَّاجِ مِمَّنْ اغْتَابَهُ كَمَا يَنْتَقِمُ مِنْ الْحَجَّاجِ لِمَنْ ظَلَمَهُ ، فَإِذًا إذَا لَقِيتَ اللَّهَ غَدًا كَانَ أَصْغَرُ ذَنْبٍ أَصَبْتَهُ أَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ أَعْظَمِ ذَنْبٍ أَصَابَهُ الْحَجَّاجُ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا رَأَيْتَ فَقِيهًا يَتَرَدَّدُ إلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ فَاسِقٍ وَخِفْتَ أَنْ تَتَعَدَّى إلَيْهِ بِدْعَتَهُ فَلَكَ أَنْ تَكْشِفَ لَهُ بِدْعَتَهُ أَوْ فِسْقَهُ مَتَى كَانَ الْبَاعِثُ الْخَوْفَ عَلَيْهِ مِنْ سِرَايَةِ بِدْعَتِهِ وَفِسْقِهِ لَا غَيْرَ ، وَذَلِكَ مَوْضِعُ الْغُرُورِ ، إذْ قَدْ يَكُونُ الْحَسَدُ هُوَ الْبَاعِثُ وَيُلْبِسُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ بِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَى الْخَلْقِ ، فَإِذَا اُسْتُشِرْتَ فِي تَزَوُّجٍ أَوْ إيدَاعِ وَدِيعَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَمْ تَرَ مَا يَصْلُحُ قُلْتُ: لَا يَصْلُحُ لَكَ ذَلِكَ ، وَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ فَلَكَ أَنْ تُصَرِّحَ بِعَيْبِهِ .
وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ } ، وَرُوِيَ: { مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ } ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَ لِفَاجِرٍ حُرْمَةٌ ، أَرَادَ الْمُجَاهِرَ بِفِسْقِهِ دُونَ الْمُسْتَتِرِ ، إذْ الْمُسْتَتِرُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ حُرْمَتِهِ ، قَالَ الصَّلْتُ بْنُ طَرِيفٍ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: الرَّجُلُ الْفَاسِقُ الْمُعْلِنُ بِفُجُورِهِ ذِكْرِي لَهُ بِمَا فِيهِ غِيبَةٌ ؟ قَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ .
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ الْغِيبَةُ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَمَعْصِيَةٌ وَمُبَاحٌ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ .
فَالْأَوَّلُ أَنْ يَغْتَابَ مُسْلِمًا فَيُقَالُ لَهُ: لَا تَغْتَبْ ، فَيَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِغِيبَةٍ وَإِنِّي صَادِقٌ فِيمَا قُلْتُ