الْغَزَالِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِيرِينَ حَسَنٌ فِي التَّحْلِيلِ قَبْلَ الْغِيبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَ لِغَيْرِهِ الْغِيبَةَ .
وَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي مِخْضَمٍ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى النَّاسِ } فَكَيْفَ يَتَصَدَّقُ بِالْعِرْضِ ؟ وَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهَلْ يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ ؟ وَإِنْ كَانَ تَنْتَقِلُ صَدَقَتُهُ فَمَا مَعْنَى الْحَثُّ عَلَيْهَا ؟ قُلْتُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَغِبَ إلَى اللَّهِ أَنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهَا ثَوَابَ الصَّدَقَةِ ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنِّي لَا أَطْلُبُ مَظْلَمَةٌ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا أُخَاصِمُهُ وَإِلَّا فَتَصِيرُ الْغِيبَةُ لَهُ حَلَالًا ، وَلَا تَسْقُطُ الْمَظْلَمَةُ ؛ لِأَنَّهُ عَفْوٌ قَبْلَ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ وَعْدٌ لَهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَفَاءِ بِأَنْ لَا يُخَاصِمَ ، فَإِنْ رَجَعَ وَخَاصَمَ كَانَ الْقِيَاسُ لِسَائِرِ الْحُقُوقِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ بَلْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ مَنْ أَبَاحَ لَهُ الْقَذْفَ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ حَدِّ الْقَاذِفِ ، وَمَظْلَمَةُ الْآخِرَةِ مِثْلُ مَظْلَمَةٌ الدُّنْيَا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .