فهرس الكتاب
وَأَنْوَاعُ تَشْوِيشِ الْإِخْلَاصِ مُتَفَاوِتَةٌ ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُحْسِنَ صَلَاتَهُ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ لِئَلَّا يَحْتَقِرَهُ أَوْ يَغْتَابَهُ أَوْ يَبْرَأَ مِنْهُ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِلْمُبْتَدِئِ ، وَفِيهِ بَعْضُ دِقَّةٍ ، وَأَدَقُّ مِنْهُ أَنْ يَتَفَطَّنَ لِهَذَا وَيَحْذَرَهُ ، وَلَكِنْ يُحْسِنُهَا لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إلَيْهِ مَتْبُوعٌ بِقَوْلِ الشَّيْطَانِ تُؤْجَرُ بِالِاتِّبَاعِ لَك فِي تَحْسِينِهَا ، وَتُعَاقَبُ فِي الِاتِّبَاعِ لَك فِي إسَاءَتِهَا ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ لَأَقَامَهَا فِي الْخَلْوَةِ بِدُونِ أَنْ يَعْتَبِرَ الْخَلْقَ فِي قَلْبِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَلَا بَعْدَهَا فَيَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ وَيَنْتَشِرُ إلَى غَيْرِهِ ، وَأَدُقُّ مِنْ هَذَا أَنْ يَنْتَبِهَ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَحْذَرَهُ لَكِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي تَحْسِينِ صَلَاتِهِ فِي الْخَلْوَةِ لِتَكُونَ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا فِي الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ ، حَتَّى لَا تَكُونَ فِي الْمَلَأِ أَحْسَنَ مِنْهَا فِي الْخَلْوَةِ ، فَهَذَا رِئَاءٌ ، وَتَرْكُ إخْلَاصٍ ، لِأَنَّهُ رَاعَى الْخَلْقَ فِي الْخَلْوَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُضُورِ أَيْضًا ، وَأَدُقُّ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَتَفَطَّنَ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَخْطُرَ لَهُ أَنَّ الْخُشُوعَ لِأَجْلِ الْخَلْقِ حَرَامٌ فَيَقُولُ لَهُ الشَّيْطَانُ: تَفَكَّرْ فِي جَلَالِ اللَّهِ .
وَاحْذَرْ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قَلْبِك وَأَنْتَ غَافِلٌ عَنْهُ فَيَخْشَعُ ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِخْلَاصٍ وَلَكِنَّهُ مَكْرٌ ، وَلَوْ صَحَّ إخْلَاصُهُ لَلَزِمَ الْخُشُوعَ فِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا ، وَلَكِنْ إذَا خَادَعَهُ الشَّيْطَانُ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ فَلْيَتَخَرَّجْ عَنْهُ ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ مُمَكَّنٌ وَقَدْ مَرَّ الْخِلَافُ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ الْمَشُوبِ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقْتَضِي ثَوَابًا أَوْ عِقَابًا أَمْ لَا يَقْتَضِي شَيْئًا لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ؟ أَمَّا الَّذِي فِيهِ الرِّيَاءُ فَعَلَيْهِ قَطْعًا ، وَأَمَّا الَّذِي هُوَ خَالِصٌ فَهُوَ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَشُوبِ وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ ، وَلَكِنْ لَا تَخْلُو عَنْ تَعَارُضٍ ، وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ لَنَا فِيهِ