فهرس الكتاب
فَاحْتَاجَ لِلْغِذَاءِ فَاهْتَدَى إلَى الْتِقَامِ الثَّدْيِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَانْظُرْ كَيْفَ دَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ اللَّبَنَ مِنْ بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ خَالِصًا ، وَجَمَعَهُ فِي الثَّدْيَيْنِ يَمُصُّهُ مِنْ جُمْلَةِ الثَّدْيِ ، وَجَعَلَهَا بِحَيْثُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا شَفَتَاهُ ، وَضَيَّقَ مَنْفَذَهَا جِدًّا حَتَّى لَا يَخْرُجَ إلَّا بِالْمَصِّ لِأَنَّهُ لَا يُطِيقُ إلَّا الْقَلِيلَ ، وَإِذْ كَبُرَ وَاسْتَغْنَى عَنْ اللَّبَنِ وَاحْتَاجَ لِلطَّعَامِ الْغَلِيظِ أَنْبَتَ لَهُ الْأَسْنَانَ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى السَّمَاوَاتِ وَعُلُوِّهَا ، وَلَا يَأْتِيكَ أَحَدٌ مِنْ جِهَةٍ يَقُولُ: إنَّا نَصِلُ السَّمَاءَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ أَوْ بِأَيْدِينَا ، وَوَسَّعَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ } وَانْظُرْ غِلَظَهَا وَوُسْعَهَا وَلَا يَأْتِيَك أَحَدٌ يَقُولُ: إنَّا نَثْقُبُ الْأَرْضَ ، وَانْظُرْ نَبَاتَهَا الْمُخْتَلِفَ لَوْنًا وَطَعْمًا ، وَمَاءَهَا الْخَارِجُ مِنْ الْحَجَرِ الْيَابِسِ ، وَالتُّرَابِ الْكَدِرِ ، وَجِبَالِهَا الرَّوَاسِيَ .
وَكَيْفَ أَوْدَعَ فِي نَبَاتِهَا حِكَمًا لَا يُحْصِيهَا سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَهَذَا يُغَذِّي ، وَهَذَا يَقْتُلُ ، وَهَذَا يُبَرِّدُ ، وَهَذَا يُسَخِّنُ ، وَهَذَا يَجْمَعُ الصَّفْرَاءَ مِنْ أَعْمَاقِ الْعُرُوقِ ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ إلَى الصَّفْرَاءِ ، وَهَذَا يَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَالسَّوْدَاءَ ، وَهَذَا يُفَرِّحُ ، وَهَذَا يُنَوِّمُ ، وَهَذَا يُصَفِّي الدَّمَ ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ دَمًا ، وَكَيْفَ أَوْدَعَ جِبَالَهَا الْجَوَاهِرَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْطَبِعُ تَحْتَ الْمِطْرَقَةِ ، وَالْفَيْرُوزَجِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَنْطَبِعُ تَحْتَهَا ، وَهَدَاهُمْ إلَى اسْتِخْرَاجِ مَعَادِنِهَا مِنْ الْكِبْرِيتِ وَغَيْرِهَا وَأَقَلِّهَا الْمِلْحُ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُنْتَفَعُ بِالطَّعَامِ إلَّا بِهِ وَلَوْ خَلَا عَنْهُ أَهْلُ بَلْدَةٍ لَتَسَارَعُوا إلَى الْهَلَاكِ .
وَانْظُرْ إلَى الْحَيَوَانِ طَائِرٍ وَمَاشٍ عَلَى رِجْلَيْنِ أَوْ عَلَى أَرْبَعٍ