فهرس الكتاب
أَوْ عَشْرٍ أَوْ مِائَةٍ ، وَطُيُورِ الْجَوِّ وَالْوَحْشِ ، وَانْظُرْ كَيْفَ أَكْلُهَا وَشُرْبُهَا وَشِتَاؤُهَا وَصَيْفُهَا وَبِنَاؤُهَا مُسَاكَنًا ، كَالْعَنْكَبُوتِ يَضَعُ لُعَابَهُ كَالْخَيْطِ كَأَنَّهُ السَّدَّا ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِاللَّحْمَةِ كَأَنَّهُ نَاسِجٌ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ مَوْضِعَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ بَيْنَهُمَا ذِرَاعٌ أَوْ أَقَلُّ ، وَيَجْعَلُ بَابًا لِبَيْتِهِ يَدْخُلُ مِنْهُ وَيَتَرَصَّدُ مِنْهُ صَيْدَ الذُّبَابِ ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الصَّيْدِ بِذَلِكَ عَلَّقَ نَفْسَهُ فِي خَيْطِهِ فِي الْهَوَاءِ فَإِذَا طَارَتْ ذُبَابَةٌ وَقَعَ عَلَيْهَا ، بِذَلِكَ قِيلَ وَأَعْجَبُ الْحَيَوَانِ الْإِنْسَانُ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَعَجَّبُ مِنْ نَفْسِهِ لِكَثْرَةِ الْمُشَاهَدَةِ ، وَلَوْ رَأَى حَيَوَانًا غَرِيبًا لِتَجَدُّدِ تَعَجُّبِهِ ، بَلْ لَوْ نَظَرَ إلَى الْأَنْعَامِ لَكَادَ يَقْضِي عَجَبًا هَذَا لِلْأَكْلِ وَهَذَا لِلزِّينَةِ وَهَذَا لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ ، وَانْظُرْ إلَى مَنَافِعِهَا مِنْ لِبَاسٍ وَبُيُوتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَانْظُرْ إلَى عِظَمِ الْبَحْرِ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ بِجُمْلَتِهَا كَجَزِيرَةٍ صَغِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحِيطِ وَبَاقِي الْأَرْضِ مَسْتُورٌ بِالْمَاءِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الْأَرْضُ فِي الْبَحْرِ كَالْإِصْطَبْلِ فِي الْأَرْضِ } وَفِي الْبِحَارِ أَضْعَافُ مَا يُشَاهَدُ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْجَوَاهِرِ ، وَأَجْرَى عَلَيْهَا السُّفُنَ وَلَا تَغْرَقُ ، وَتَرَى بِقُدْرَةِ اللَّهِ سَفِينَتَيْنِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَجْرِي إلَى الْجِهَةِ الَّتِي جَاءَتْ مِنْهَا الْأُخْرَى ، رِيحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ غَيْرُ رِيحِ الْأُخْرَى ، وَأَنْبَتَ الْمَرْجَانَ فِي صُمِّ الصُّخُورِ فِي الْبَحْرِ ، وَأَخْرَجَ الْعَنْبَرَ .
وَاعْتَبِرْ الْمَاءَ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْبِنْيَةُ لَوْ احْتَاجَ إلَى شَرْبَةٍ لَأَبْدَلَ فِيهَا الدُّنْيَا كُلَّهَا لَوْ مَلَكَهَا ، ثُمَّ لَوْ عُسِرَ خُرُوجُهَا بَعْدَ الشُّرْبِ لَأَبْدَلَ كَذَلِكَ وَانْظُرْ الْهَوَاءَ وَالرِّيحَ فِيهِ تَارَةً لِلرَّحْمَةِ وَتَارَةً لِلْعَذَابِ ، فَاَلَّتِي لِلرَّحْمَةِ مِنْ جِهَاتٍ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ رِيَاحٌ