فهرس الكتاب
، وَاَلَّتِي لِلْعَذَابِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَهِيَ رِيحٌ وَاحِدَةٌ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ يُسَبِّحُ كَالْحُوتِ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ ، وَتَضْطَرِبُ جَوَانِبُ الرِّيحِ وَأَمْوَاجِهِ ، كَمَا تَضْطَرِبُ أَمْوَاجُ الْبَحْرِ ، وَانْظُرْ إلَى رِقَّةِ الْمَاءِ وَسَيَلَانِهِ كَيْفَ حَمَلَ السَّفِينَةَ وَمَا فِيهَا ، وَإِلَى لُطْفِ الْهَوَاءِ وَدِقَّتِهِ ثُمَّ شِدَّةِ قُوَّتِهِ مَهْمَا انْقَبَضَ عَنْ الْمَاءِ ، فَالزِّقُّ الْمَنْفُوخُ يَتَحَامَلُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ لِيَغْمِسَهُ فِي الْمَاءِ ، فَانْظُرْ كَيْفَ يَنْقَبِضُ الْهَوَاءُ مِنْ الْمَاءِ بِقُوَّتِهِ مَعَ لَطَافَتِهِ ، وَبِهَذِهِ الْحِكْمَةِ أَمْسَكَ اللَّهُ السُّفُنَ عَلَى الْمَاءِ ، وَكَذَا كُلُّ مُجَوَّفٍ فِيهِ هَوَاءٌ لَا يَغُوصُ فِي الْمَاءِ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَنْقَبِضُ عَنْ الْغَوْصِ فِي الْمَاءِ ، فَالسَّفِينَةُ تَعَلَّقَتْ بِأَذْيَالِ الْهَوَاءِ مِنْ جَوْفِهَا فَلَمْ تَغُصْ فِي الْمَاءِ .
وَانْظُرْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالنُّجُومِ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي غَيْرِهِنَّ فَقَدْ فَاتَهُ النَّظَرُ ، فَالْأَرْضُ وَالْبِحَارُ وَالْهَوَاءُ وَكُلُّ جِسْمٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى السَّمَاوَاتِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ وَأَصْغَرَ ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ .
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ } { وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ } { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ } ، { وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } وَقَوْلِهِ: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إذَا تَلَاهَا } { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ } { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ عَجَائِبَ النُّطْفَةِ عَجَزَ عَنْهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ ، فَكَيْفَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ وَأَقْسَمَ بِهِ وَأَحَالَ الرِّزْقَ إلَيْهِ: { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } وَأَثْنَى عَلَى الْمُتَفَكِّرِينَ وَقَالَ: { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا سَبَلَتَهُ } أَيْ تَجَاوَزَهَا مِنْ غَيْرِ