فهرس الكتاب

الصفحة 16919 من 17437

الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مَبْدَأُ خِلْقَتِهِ مِنْ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ أَصْلًا ، وَلَيْسَ مَعْنَى التَّوْبَةِ تَرْكَهَا فَقَطْ ، بَلْ تَمَامُ التَّوْبَةِ بِتَدَارُكِ مَا مَضَى ، وَالْمَعْصِيَةُ وَالشَّهْوَةُ ظُلْمَةٌ عَلَى الْقَلْبِ ، كَالْبُخَارِ عَلَى الْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ ، وَجَلَاؤُهَا بِالتَّوْبَةِ ، وَلِذَلِكَ بَالَغَ [ بَعْضُ ] الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرَكِ حُظُوظِ النَّفْسِ فَتَوَسَّدَ حَجَرًا فِي نَوْمِهِ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: أَمَا كُنْت تَرَكْت الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ ، وَمَا الَّذِي حَدَثَ ؟ فَقَالَ: تَوَسُّدُك لِهَذَا الْحَجَرِ تَنَعُّمٌ فِي الدُّنْيَا ، فَلِمَ لَا تَضَعُ رَأْسَك عَلَى الْأَرْضِ ؟ فَرَمَى الْحَجَرَ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً عَلَى ذَلِكَ التَّنَعُّمِ ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ رَمْيَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَشَغَلَ عَلَمُ الثَّوْبِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ ، فَنَزَعَ ذَلِكَ الثَّوْبَ وَجَدَّدَ شِرَاكَ نَعْلٍ ، فَشَغَلَهُ وَبَدَّلَهُ بِبَالٍ وَلَمَّا شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ لَبَنًا أَتَاهُ بِهِ عَبْدُهُ أُجْرَةً لَهُ فِي كِهَانَةٍ تَكَهَّنَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِلَا عِلْمٍ مِنْهُ ، ثُمَّ عَلِمَ ، أَدْخَلَ أَصْبَعَهُ فِي حَلْقِهِ لِيُخْرِجَهُ حَتَّى كَادَتْ رُوحُهُ تَخْرُجُ ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: لَوْ لَمْ يَبْكِ الْعَاقِلُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ إلَّا عَلَى تَفْوِيتِ مَا مَضَى مِنْهُ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ لَكَانَ خَلِيقًا أَنْ يُحْزِنَهُ إلَى الْمَمَاتِ ، فَكَيْفَ مَنْ يَسْتَقْبِلُ مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ بِمِثْلِ مَا مَضَى مِنْ جَهْلِهِ ، وَكُلُّ سَاعَةٍ ، بَلْ نَفَسٍ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ لَا عِوَضَ لَهَا يُمْكِنُ دُخُولُ الْجَنَّةِ ، وَالنَّجَاةُ مِنْ النَّارِ بِهَا ، وَالْعَاقِلُ إذَا مَلَكَ جَوْهَرَةً وَضَاعَتْ بَكَى عَلَيْهَا لَا مَحَالَةَ ، وَإِنْ كَانَ ضَيْعَتُهَا سَبَبَ هَلَاكِهِ كَانَ بُكَاؤُهُ أَشَدُّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت