فهرس الكتاب
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوْبَةَ إذَا اسْتَجْمَعَتْ شُرُوطَهَا مَقْبُولَةٌ لَا مَحَالَةَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ بِقَبُولِهَا ، وَلَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَلَا طَاقَةَ لِظُلْمَةِ الْمَعَاصِي مَعَ نُورِ الْحَسَنَاتِ ، كَمَا لَا طَاقَةَ لِلَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ وَالتَّوْبَةُ كَالصَّابُونِ ، وَكُلُّ نَظِيفٍ مِنْ الثِّيَابِ مَقْبُولٌ ، وَقَدْ تَتَرَاكَمُ الذُّنُوبُ فَتَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنْ التَّوْبَةِ كَالْوَسَخِ الْمُتَرَاكِمِ الدَّاخِلِ فِي تَجَاوِيفِ الثَّوْبِ اللَّازِقِ لَا يَغْسِلُهُ الصَّابُونُ ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ الْوَسَخِ بِالصَّابُونِ كَذَلِكَ قَبُولُ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ أَعْنِي أَنَّهَا تُقْبَلُ لَا مَحَالَةَ بِفَضْلِ اللَّهِ ، وَلَا وَاجِبَ عَلَى اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَمَا قِيلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى اللَّهِ بَلْ كَمَا تَقُولُ إذَا شَرِبَ الْعَطْشَانُ وَجَبَ الرِّيُّ ، وَإِذَا غُسِلَ بِالصَّابُونِ وَجَبَتْ النَّظَافَةُ وَلَكِنَّ الرِّيَّ وَالنَّظَافَةَ يَتَيَقَّنُهُمَا الشَّارِبُ وَالنَّاظِرُ لِلثَّوْبِ وَالتَّوْبَةُ لَا يَتَيَقَّنُ قَبُولَهَا التَّائِبُ وَلَا غَيْرُهُ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِ شَرَائِطِهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَوَاجِبٌ مِثْلُهُ وَالتَّوْبَةُ مَقْصِدٌ وَاجِبٌ وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ الذَّنْبِ ، فَمَعْرِفَةُ الذَّنْبِ وَاجِبَةٌ فَلِلْإِنْسَانِ أَوْصَافٌ: الْأَوَّلُ: يَنْزِعُ إلَى الْوَصْفِ الرَّبَّانِيِّ كَالْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالْجَبَرُوتِ وَحُبِّ الْمَدْحِ ، وَالثَّنَاءِ ، وَالْعِزِّ ، وَالْغِنَاءِ ، وَالْبَقَاءِ ، وَالْعُلُوِّ ، حَتَّى كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى ، وَيَتَوَلَّدُ مِنْ ذَلِكَ ذُنُوبٌ مُهْلِكَةٌ الثَّانِي: وَصْفٌ شَيْطَانِيٌّ يَتَشَعَّبُ مِنْهُ الْحَسَدُ ، وَالْبَغْيُ ، وَالْحِيلَةُ ، وَالْخِدَاعُ ، وَالْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ ، وَفِيهِ يَدْخُلُ الْغِشُّ ، وَالنِّفَاقُ ، وَالدَّعْوَةُ إلَى الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ الثَّالِثُ: وَصْفٌ بَهِيمِيٌّ مِنْهُ يَتَشَعَّبُ الشَّرَهُ وَالْكَلَبُ وَالْحِرْصُ عَلَى شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ، وَمِنْهُ