وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرًا مَا يَخْرُجُ إلَى سَاحَةِ الدَّارِ بِلَيْلٍ وَيَقُولُ:"وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً"وَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى اللَّهِ فَلَمْ أَرَهُ يَقْبَلُنِي .
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: دَخَلَ هُوَ وَجَابِرٌ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَعَاتَبَاهَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا يَوْمَ الْجَمَلِ فَتَابَتْ ، وَاسْتَغْفَرَتْ مِمَّا كَانَ مِنْهَا ، وَكَانَ أَبُو بِلَالٍ لَا يُفَارِقُ جَابِرًا بَعْدَ مَا يُصَلِّي الْعَتَمَةَ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَ مَنْزِلَيْهِمَا فَيَقُولُ لَهُ: اُرْفُقْ بِنَفْسِكَ ، أَوْ كَلَامًا مِثْلَ هَذَا ، فَيُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ ، وَمِنْ أَمَانَتِهِ وَثِقَتِهِ بِاَللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ سَجَنَهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَى السَّجَّانُ اجْتِهَادَهُ ، فَقَالَ: إنْ تَرَكْتُكَ تَبِيتُ عِنْدَ أَهْلِكَ أَتَرْجِعُ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ عِنْدَ أَهْلِهِ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ أَرَادَ قَتْلَهُمْ غَدًا فَرَجَعَ أَبُو بِلَالٍ إلَى السِّجْنِ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ أَهْلُهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ ، قَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ غَادِرًا ؟ وَقَالَ لِلسَّجَّانِ: وَقَدْ عَلِمْتُ رَأْيَ صَاحِبِكَ ، قَالَ: أَعَلِمْتَ وَجِئْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَقَتَلَ ابْنُ زِيَادٍ مَنْ فِي السِّجْنِ ، فَأَخْبَرَهُ السَّجَّانُ بِفِعْلِهِ فَأَطْلَقَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمِنْ شَجَاعَتِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ خَرَجَ فِي أَرْبَعِينَ فَهَزَمَ أَلْفَيْنِ ، وَذَكَرْتُ كَلَامًا فِي شَجَاعَتِهِ فِي كِتَابِ الدِّمَاءِ ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْقِتَالِ يُعَيَّرُ لِأَنَّهُ هَرَبَ خَوْفًا مِنْ أَبِي بِلَالٍ ، يَقُولُ لَهُ الصِّبْيَانُ: أَبُو بِلَالٍ ، أَبُو بِلَالٍ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ الشُّرَطَ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُ النَّاسَ ، وَسَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّ زِيَادًا قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَآخُذَنَّ الْمُحْسِنَ بِالْمُسِيءِ ، وَالْحَاضِرَ بِالْغَائِبِ ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقِيمِ ، فَقَامَ إلَيْهِ ، فَقَالَ: مَا هَكَذَا ذَكَرَ اللَّهُ إذْ