تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 102
ولغاية كماله اقتضى صفات الكمال التي أوّلها الحياة رتبة لتوقف العلم والارادة والقدرة والسمع والبصر والكلام عليها ولما كان وحده كاملا بالذات كانت كمالات سائر الأشياء مستفادة منه فكان قيوما وعيسى لم يكن واجب الوجود إذ لم يوجد قبل أمه ولا في غاية الكمال إذ اللّه أكمل منه ولا منزها عن الحلول في الحوادث إذ كان في السموات والأرض ولا عن حلول الحوادث فيه إذ كان آكلا شاربا ولا حيا لذاته لقابليته للموت ولا قيوما لكل ما عداه إذ كان قبله أشياء والازلى اللطيف المنان هو اللّه إذ لا بد للحوادث من مبدا إذ لا وجود لها من ذواتها ويجب أن لا يكون لذلك المبدا ابتداء إذ لا بد من الرجوع إلى من له الوجود والكمالات لذاته ويجب أن لا يشارك في كمالاته لأن الكمالات بالذات يجب أن تكون في الغاية والا لجاز أن يكون فوقه ذات تقتضى كمالات فائقة فيلزم جواز أن يكون كل عال إلها بالنسبة إلى السافل ولا بد أن يكون لطيفا إذا الكثافة من التركيب المسبوق بالاجزاء ولا بد أن يكون منانا بافاضة الكمال لأنه لما لم يكن لغيره بالذات فلو لم يفض لم يحصل له كمال أصلا فمنّ بافاضة الحياة التي يتوقف عليها سائر الكمالات بعد ما اتصف بها لذاته وبافاضتها صار قيوما لها لأن الحياة مقوّمة للأشياء فمفيضها أولى بالتقويم ولم يكن عيسى أزليا لكونه مولودا ولا لطيفا لظهور الكثافة في جسمه ولا منانا على الكل لسبق كثير من الأشياء عليه والأتم ذاته ولطفه ومجده هو اللّه لاختصاصه بصفات الكمال بحيث لا يشارك فيها وافاضة الحياة هي أصل الالطاف لتوقف الانتفاع بسائرها عليها وانما أفاضها لكونه حيا لذاته واختصاصه بالقيومية بحيث لم يظهر بها في غيره وعيسى لم يتم ذاته بالاختصاص بصفات الكمال ولا لطفه بافاضة الحياة على العموم ولا قيوميته إذ لم يكن قائما بذاته مستقلا بها لعدم وجوب وجوده والاحد الذي له ملك الكل هو اللّه إذ لا اله الا هو وقد ملك حياة الكل لأنها من فيضه لكونه حيا لذاته بل وجود الكل وسائر صفاتهم مفاضا منه لكونه قيوما للكل وعيسى ليس بأحد لتركيبه ولم يملك حياة الكل ولا وجوده أو غير ذلك مما يناسب المقام ثم أشار إلى أن القيومية اما بظهور آثار الاسماء والصفات الالهية أو بظهور صورها بحسب تفاوت المظاهر فالمظهر الكامل يقتضى ظهور صورها لذلك
(نَزَّلَ عَلَيْكَ) يا أكمل المظاهر (الْكِتابَ) الذي هو صورة كلامه المفيدة كمال الحياة وقوام المعاش والمعاد مع التفرقة بالتنزيل نجما بعد نجم للإشعار بأنه وان كان صورة صفة قديمة فهو حادث لكن ليس كالحوادث التي هي آثار بل ملتبس (بِالْحَقِّ) مناسب لصفات كماله ولذلك كان معجزا ولإعجازه كان (مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي معرفا صدق الكتب السالفة (وَ) انما كان كذلك لأنه (أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ* مِنْ قَبْلُ) وانما أنزلا دفعة لأنهما كانا (هُدىً لِلنَّاسِ) هداية عامة تحصل بدفعة بخلاف الخاصة فإنها انما تحصل بدفعات كشفا بعد كشف (وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) أي إقامة الدلائل ورفع الشبه في الكتب السالفة وفى هذا الكتاب معا لكنه أيضا دفعى لاجتماعها في طور العقل بخلاف المعانى الكشفية التي فوق طور العقل فانها