تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 112
ناقص وتكون له معجزات قاهرة إذ يتحداهم (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ) قاهرة تعلمون بالضرورة كونها (مِنْ رَبِّكُمْ) لعجزكم عنها وهي (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ) أي لإعجازكم صورة (مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ) أي كصورة (الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ) أي فيما اخلق (فَيَكُونُ) أي يصير (طَيْرًا) حقيقيا ذا حياة (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي أمره لا باستقلال منى (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ) الممسوح العين (وَالْأَبْرَصَ) الذي لا يقبل الدواء بمجرد الدعاء وافعل ما هو أبلغ من ذلك (وَ) هو أنى (أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ) لا باستقلال منى نفيا لتوهم الالهية فهذه معجزات قاهرة فعلية (وَ) من معجزاتى القولية انى (أُنَبِّئُكُمْ) أي أخبركم (بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ) لأولادكم أو للمستقبل فنتركونه (فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أي دلالة (لَكُمْ) على صدقى (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مصدقين بآيات اللّه فإنها لم تقف فيما مضى على ذلك (وَ) ليست معجزاتى لاضلالكم حتى تشكوا فيها بل لاهدائكم إذ كنت
(مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ) المشهورة بالاهداء (وَ) لكنى نسخت بعض أحكامها لانى جئتكم (لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) فيها لظلمكم كأكل الشحوم والثروب ولحوم الابل والعمل في السبت (وَ) ليس ذلك من الاضلال لانى (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) تدل على وجه تحريمها في ذلك العصر وتحليلها في هذا العصر (فَاتَّقُوا اللَّهَ) في تحريم ما أحل ولو بعد التحريم (وَأَطِيعُونِ) في تحليل ما حرم في ذلك العصر لدلالة معجزاتى على صدقى ولم يظهر لى من خباثة النفس ما يشكك في تلك المعجزات إذ أدعوكم إلى عبادة اللّه
(إِنَّ اللَّهَ) هو (رَبِّي) ان تجلى فيّ بهذه الأمور فأنا عبده كما انكم عبيده (وَ) هو (رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) بمقتضى أمره في كل عصر (هذا) المذكور من تحليل الشيء في عصر وتحريمه في آخر بمقتضى مصالح الأزمنة (صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) بايصال الحكمة غايتها في أقرب المسافات ولو وصلت على خلافه بعدت المسافة ولما رأوه ينسخ بعض أحكام التوراة كفروا به
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى) أي أدرك ادراك المحسوسات (مِنْهُمُ الْكُفْرَ) عند اظهارهم اياه بايذائهم له (قالَ) مع ماله من معجزة الاحياء الذي القدرة عليه بالاستقلال قدرة على الامانة بلا آلة مختبرا إيمان المخلصين ولذلك لم يكتف بنصر اللّه (مَنْ) الجمع الذين هم (أَنْصارِي) ولا يعسر عليهم كثرة المؤذين لأنهم يضمون أنفسهم (إِلَى اللَّهِ) في نصره الكافى وحده (قالَ الْحَوارِيُّونَ) أي المنسوبون إلى الحور وهو البياض لاستنارة قلوبهم (نَحْنُ) أنصارك لانا (أَنْصارُ اللَّهِ) ونصرك نصره لانك داع إليه بأمره وكيف لا ننصر اللّه وقد (آمَنَّا بِاللَّهِ) ومقتضاه نصره والانقياد لاوامره فانقدنا لاوامره التي بلغتها منه (وَاشْهَدْ) أيها الداعى إلى الإيمان المبلغ للاحكام لننقاد لها (بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي منقادون من كل وجه في الظاهر والباطن ثم اشهدوا اللّه الآمر بما أنزل من الإيمان به وبأوامره المقتضى لاتباع رسوله في العمل بمقتضاها فقالوا
(رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ) فأشهدناك على ما نحن عليه لصدقنا في دعواه (فَاكْتُبْنا) جزاء على اشهادنا اياك (مَعَ الشَّاهِدِينَ) على إيمان الخلائق وكفرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة بالكشف عن بواطنهم بزيادة انارة قلوبنا فوق انارتها للإيمان والانقياد للاحكام