فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 123

اللَّهِ وَ) لا يمكنهم العود إلى عزتهم لأنهم (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) المستلزمة للذلة (ذلِكَ) أي ضرب الذلة والمسكنة والغضب (بِأَنَّهُمْ) استكبروا على اللّه إذ (كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ) زادوا عليه إذ عاندوا مع اللّه إذ كانوا (يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ) عالمين بأنه (بِغَيْرِ حَقٍّ) موجب ظنى ولا قطعى (ذلِكَ) الكفر وقتل الانبياء (بِما عَصَوْا وَ) ليس كمعاصى الجمهور لأنهم (كانُوا يَعْتَدُونَ) أي يجاوزون التوسط إلى الغاية فغضب اللّه عليهم فجرهم إلى الكفر ثم انهم وان كان فيهم الاعتداء الموجب للغضب

(لَيْسُوا سَواءً) أي مستوين حتى لا يعتد بإيمان من آمن منهم ويحمل على النفاق بل (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) الذي شأنه التأثير فإذا لم يعم فلا بد من نوع منه تأثر به (أُمَّةٌ قائِمَةٌ) بما في التوراة على أكمل الوجوه حتى يتدينوا بدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الناسخ لبعض أحكامها (يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ) المنزلة على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم (آناءَ) أي ساعات (اللَّيْلِ وَهُمْ) يصلون صلاة التهجد (يَسْجُدُونَ) فيها وان لم يكن في دين اليهود فيفيدهم مزيد تقرب وقت عموم الغفلة فهذا يدل على أنهم

(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فينقادون بجميع آياته (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فيجانبون الغفلة ثم لا تقتصر خيراتهم على أنفسهم بل تتعدى إلى العموم (وَ) لذلك (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ) ليست لطلب الرياسة لأنهم (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) وطالب الرياسة يتبع هواه فلا يمكنه المسارعة إلى الخيرات في عموم الاوقات (وَ) ان صحت لهم المسارعة إلى الخيرات فلا يظهر عليهم أثرها وقد ظهر على هؤلاء فعلم أن (أُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) وانما ميز بينهم وبين اخوانهم حيث غضب على اخوانهم وجعل هؤلاء من الصالحين لأنهم مسارعون في الخيرات كيف

(وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) بفعل الاخوان (وَاللَّهُ) وإن غضب على اخوانهم جعلهم من الصالحين لتقواهم لأنه (عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) وإذا كانت التقوى كافية في ذلك فالمسارعة إلى الخيرات زيادة على الكفاية ولو قيل كيف غضب على اخوانهم وقد أنعم عليهم بالأموال والأولاد أجيبوا بأنهما ليسا من الانعام في حق الكفار في الآخرة إذ لا يدفعان غضبه عليهم فقيل

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) وإن كان التصدق بالأموال يطفئ غضب الرب في حق المؤمنين ويغفرون بموت أولادهم أو استغفارهم (وَأُولئِكَ) أي الكفار وأموالهم وأولادهم (أَصْحابُ النَّارِ) أي ملازموها يزدادون بها عذابا ولو كانت مفيدة لهم لم يتأت لهم الانتفاع بها إذ (هُمْ فِيها خالِدُونَ) ولا يفيدهم التصدق بها التخفيف إذ

(مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ) مع أن الغالب أنهم ينفقونه (فِي) استحلاب فوائد (هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا) من طلب الثناء أو دفع البليات فإن كان للآخرة فهو حرث أصابه الكفر ومثله في إهلاك ما أصابه (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ) أي برودة شديدة (أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ) فأهلكته فكذا ريح الكفر إذا أصابت حرث انفاق قوم (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) فصار الظلم ريحا لحصوله من هوى النفس ذات برودة شديدة لكونه ظلم الكفر الذي هو الموت المعنوى فأهلكته (وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ) بإهلاك حرثهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت