تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 126
حقوقكم ثم أشار إلى أن النار المعدة للكافرين كما يخاف على آكل الربا أضعافا مضاعفة يخاف على كل مصر على المعاصى فقال
(وَسارِعُوا إِلى) أسباب (مَغْفِرَةٍ) فإنها وان كانت (مِنْ رَبِّكُمْ) من غير تأثير للأسباب فيها فسنة جارية بالفعل عندها وهي الاستغفار والندم والعزم على أن لا يعود (وَ) لا يتم الا بالمسارعة إلى أسباب (جَنَّةٍ) هي الأعمال الصالحة لأنها تمحو المعاصى إذ يدخل صاحبها في سعة الرحمة لذلك (عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) لو وضع بعضها بجنب بعض فهي من أسباب الصيانة عن الاعداء والبليات بل أسباب المغفرة أيضا أسباب الجنة لأن المغفور له لا حق بالمتقين والجنة (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) لأن المسارع إلى أسباب المغفرة ينظر إلى اللّه كنظر المتقين
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) أموالهم اتقاء محبتها (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أي فيما يجلب مسرة للمؤمن أو يدفع مضرة عنه اتقاء تضييعها تهذيبا للشهوية (وَالْكاظِمِينَ) أي الكافين (الْغَيْظَ) عن امضائه مع القدرة عليه اتقاء التعدى فيه إلى ما وراء حقه (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) ما يغيظ لئلا يهيج تهذيبا للغضبية فانهم أعدت لهم الجنة لأنهم محسنون آثروا جناب الحق على شهوتهم وغضبهم (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) لأنهم لا ينظرون إلى ما سواه فضلا عن محبته ويقرب منهم في النظر إلى اللّه المسارعون إلى المغفرة
(وَ) هم (الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً) أي فعلة بليغة في القبح متعدية (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بغير التعدى (ذَكَرُوا اللَّهَ) فاشبهوا المحسنين من وجه لكن رأوا معاصيهم حجبا (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ) انما استغفروا لعلمهم انه (مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) فيرفع حجابها (إِلَّا اللَّهُ وَ) خافوا استحكام الحجاب بالاصرار لذلك (لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) انه ذنب بخلاف ما لو لم يعلموا لأنهم عوام أو لكونه في محل الاجتهاد فانه لا يخاف حجابيته عليهم إذا لم يقصروا
(أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي ستر لذنوبهم ليصيروا محسنين (وَ) إذا صاروا محسنين فجزاؤهم (جَنَّاتٌ) جزاء على مشاهدتهم اياه (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) جزاء على اجرائهم أنهار المعارف في قلوبهم بمسارعتهم في رفع الحجب عنها (خالِدِينَ فِيها) لبقاء احسانهم دائما فهذا أجر المسارعين إلى المغفرة وفوقه أجر المسارعين إلى الجنة وهم العاملون (وَ) لذلك قال (نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) لذلك اتسع جنتهم إلى أن صار عرضها السموات والأرض ثم أشار إلى أنكم لو أصررتم على المعاصى ولم تبادروا إلى الاستغفار فلا يقتصر في حقكم على ابقاء الحجاب بينكم وبين ربكم الموجب للعذاب الأخروى بل
(قَدْ خَلَتْ) أي مضت (مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) من أنواع المؤاخذات والبلايا سيما في حق المكذبين الذين يتخذون منهم بطانة لينجوا عن أذياتهم فلا تنجون عن شدائد اللّه التي عليهم للحوقكم بهم (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) التي فيها ديارهم الخزية وآثار إهلاكهم (فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) وقيسوا عليها عاقبة للاحقين بهم
(هذا) من مؤاخذة المذكور (بَيانٌ لِلنَّاسِ) الذين نسوا مؤاخذتهم فاتخذوهم بطانة للتحفظ عنهم ونسوا ما على اللاحقين بهم من مؤاخذة اللّه (وَهُدىً) إلى التحفظ عنهم بالتوكل على اللّه (وَمَوْعِظَةٌ) أي تخويف نافع (لِلْمُتَّقِينَ) الذين منهم التحفظ الكلى الذي لا يتم الا بالتحفظ عن