تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 127
اللّه بل بطانتهم عين الخوف ولا خوف منهم في الواقع وانما هو من وهنكم
(وَلا تَهِنُوا) أي ولا تضعفوا في أنفسكم لتفتقروا إلى اتخاذهم بطانة ومنشأ هذا الضعف الحزن من أذياتهم (وَلا تَحْزَنُوا) إذ لا تصل أذياتهم إلى اتلافكم بل هم التالفون (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي الاغلبون لكن انما تغلبون (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مخلصين لأنه انما وعد النصر للمؤمنين ولا تضعفوا عن الجهاد بمس القرح فانه
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) يوم أحد (فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ) العدوّ يوم بدر (قَرْحٌ مِثْلُهُ) ولم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى لانكم موعودون بالنصر دونهم (وَ) المس مرة لا يدل عليه في كل مرة إذ (تِلْكَ الْأَيَّامُ) أي أيام النصر (نُداوِلُها) أي نصرفها فنجعلها دولة لطائفة مرة ولاخرى أخرى فنقسمها (بَيْنَ النَّاسِ) لئلا يجبنوا (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أي وليتميز الثابتون على الإيمان في علم اللّه عما سواهم إذ لو دام النصر للمؤمنين لكان ملجئا للناس إلى اعتقاد حقيتهم (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) ولو دام النصر للمؤمنين لقل الشهداء منهم لكن اللّه تعالى يريد تكثيرهم لأنه يحبهم لكونهم مظلومين (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فيجعل محبته لهم لو لم يظلموا للمظلومين مع محبته لهم لإيمانهم
(وَلِيُمَحِّصَ) أي يطهر (اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) بالشهادة عن معاصيهم (وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) بالقتال إذ لو دام النصر للمؤمنين لدام صلحهم معهم فكانوا باقين أضعفتم عن أعمال الجنة
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ) أي ولم يتميز ما علم اللّه من (الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ) ممن علم ضعفهم عن الجهاد (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) على الشدائد حفظا للإيمان ممن يجزع فينقلب
(وَ) كيف ضعفتم الآن لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) على الشهادة (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) أي أسبابه (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) أي متمناكم (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) شدائده وتضعفون ثم أشار إلى أن قتل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وموته ليس من أسباب الضعف بل هو كالقرح فقال
(وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) والرسل منهم من مات ومنهم من قتل فلا منافاة بين الرسالة والقتل والموت إذ (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) بل الضعف عن الجهاد حينئذ مشعر بالردة (أَ) تؤمنون به في حال حياته (فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ) أي ارتددتم كانكم انقلبتم (عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) بإبطال دينه فانه سيظهره على يدى من يشكره (وَسَيَجْزِي اللَّهُ) بالنصر والغلبة في الدنيا والثواب والرضوان في الآخرة (الشَّاكِرِينَ) نعمة الإسلام بالجهاد فيه روى انه لما رمى عبد اللّه بن قمئة الحارثى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ذهب مصعب بن عمير وكان صاحب رايته فقتله ابن قمئة وهو يرى انه قتل محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فقال قد قتلت محمدا صلّى اللّه عليه وسلم وصرخ ابليس الا ان محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد قتل فقال المنافقون لو كان نبيا لما قتل ارجعوا إلى اخوانكم وقال بعضهم ليت ابن أبى يأخذ لنا أمانا من أبى سفيان فقال أنس بن النضران كان محمدا قد قتل فإن رب محمد حى لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده فقاتلوا على ما قاتل عليه ثم قال اللهم انى أعتذر اليك مما يقولون وأبرأ منهم وسل سيفه وقاتل حتى قتل فكان من الشاكرين ثم أشار إلى أن قتل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أو موته