فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 135

شجاع يجعل في أعناقهم (يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ) هم وان لم ينفقوه في سبيل اللّه فهو راجع إليه إذ (لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي يصير أملاك أهلهما بعد فنائهم إلى خالص ملكه كما يصير مال المورث ملك الوارث وكذلك يرث حياتهم وان لم يقتلوا في سبيل اللّه ثم ان له أن يتلفه عليهم أو على أولادهم لأنه مقتضى أفعالهم (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وانما رأوا البخل خيرا لأنهم رأوا الانفاق اتلافا بلا عوض لكنه تضعيف كما قال عز وجل من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ولما سمعت اليهود ذلك قالوا ان اللّه فقير يستقرض منا فقال عز وجل

(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) استهزاء بكلامه بحمله على خلاف مراده لأنه أراد أنه ليس باتلاف بل هو تعويض كتعويض المستقرض فحملوه على الاستقراض للحاجة مع أنه لا دلالة للفظ الاستقراض عليه لكنه لما كثر وقوعه للحاجة صار كالمدلول الالتزامى له عرفا (سَنَكْتُبُ ما قالُوا) بطريق الاستهزاء بكلامه الهاتك حرمته وحرمة المتكلم بحيث تبطل الهيته أو تكلمه به وهو في معنى القتل لذلك عقبه بقوله (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ) مع علمهم أنه (بِغَيْرِ حَقٍّ) كما أن هذا التأويل أيضا بغير حق (وَ) انما نكتب ذلك ليكون حجة لنا في تعذيبهم إذ (نَقُولُ) لهم (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) أي أدركوه ادراك اللسان بالذوق للمطعومات بوصول أثرها إلى باطنها فإذا نسبوا ذلك إلى الظلم قيل لهم

(ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) من هتككم حرمة اللّه وحرمة كلامه وأنبيائه المبلغين له وأى ظلم أشد من ذلك فلا تنسبوا إليه المبالغة في الظلم بل ثبت أنكم المبالغون فيه (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ولو قالوا ما بالغنا في الظلم بقتل الانبياء بغير حق بل انما قتلنا الكذابين أجيبوا بأنكم اعترفتم بكونهم أنبياء لانكم

(الَّذِينَ قالُوا) في الاعتذار عن ترك الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم (إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ) أي لمدعى الرسالة وان جاء بمعجزات قاهرة (حَتَّى يَأْتِيَنا) بهذه المعجزة المعينة (بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) النازلة من السماء عليه (قُلْ) مقتضى هذا القول بعد تساوى المعجزات في الدلالة على صدق من ظهرت على بديه صدق كل من جاء بهذه المعجزات سواء أتى بمعجزات أخر معها أم لا لكن (قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ) كثيرون (مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ) القاهرة (وَبِالَّذِي قُلْتُمْ) فكذبتموهم فلو لم تكذبوهم (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في أنا ما قتلنا الا الكذابين وأنا انما كذبنا محمدا لعدم اتيانه بهذه المعجزات المعينة

(فَإِنْ كَذَّبُوكَ) بعد بطلان عذرهم المذكور (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) من غير عذر في التكذيب لأنهم (جاؤُ بِالْبَيِّناتِ) أي المعجزات الفعلية (وَالزُّبُرِ) معرفة كتب الانبياء السابقين عليهم من غير تعلم بشرى (وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) أي المزيل شبهات أهل الكتب السابقة ولو قيل ان كان اللّه مضاعفا للقرض أضعافا كثيرة فما لنا لا تجدها مع كثرتها أجيب بأنكم انما لا تجدونها لأنها مما لا نتقطع عن غاية كثرتها والأمور الدنيوية منقطعة إذ

(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) فلو حصل لكم فيها بعض الاضعاف فلا يوفى فيها (وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) على أن الاجور انما نتم بالابعاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت