فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 155
وإذعانهم ولذلك لا تأمرهم الا بما يسهل عليهم ومع ذلك يخرجون لمخالفة أهويتهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ) أي يخوفون بالأمر به عن تركه (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) من حصول أهويتهم لأنه سبب فوات الباقى الشريف بالفانى الخسيس (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) لدينهم ودنياهم إذ يخاف من متابعة الهوى الجرة إلى الكفر والحاكم إذا مال إلى الرشوة ربما يكون الخصم أكثره إعطاء لها
(وَ) لا نقتصر في حقهم على حظ الباقى من ثواب سائر الأعمال بل (إِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا) مما يناسب عظمتنا (أَجْرًا عَظِيمًا) في الدنيا والآخرة على إذعانهم لاحكامنا
(وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا) يكون سببا لعظم الاجر من وجوه كثيرة ثم أشار إلى انه يحصل لهم مع الاجور مراتب القرب فقال
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بالتقرب منه (مِنَ النَّبِيِّينَ) الذين أنبأهم اللّه أكمل الاعتقادات والاحكام وأمرهم بانبائها الخلق كلا بمقدار استعداده وهذا لمن جاوز حد الكمال إلى التكميل (وَالصِّدِّيقِينَ) الذين كملت مطابقة علمهم لتلك الاعتقادات والاحكام لمشاهدتهم لها في مشكاة النبوة عن قرب وكملت مطابقة أعمالهم الظاهرة والباطنة لها وهذا لمن كان في أعلى مراتب الكمال ولم يبلغ حد التكميل (وَالشُّهَداءِ) الذين شاهدوا الحقائق عن بعد وهذا لمن كان في أوسط درجات الكمال (وَالصَّالِحِينَ) الذين صلحت اعتقاداتهم وأعمالهم لافادة النجاة وهذا لعامة أهل الطاعة (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا) في قطع منازل مزيد القرب من اللّه
(ذلِكَ) الرفق هو (الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ) بعد انقطاع أسباب العمل (وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا) بمقدار هذا الفضل لا يعلمه غيره لأنه أمر غير متناه فلا يصل إليه علم الخلائق المتناهى ثم أشار إلى ان اجل الطاعات الموجبة مرافقة المذكورين الجهاد الذي هو قتل النفس والخروج عن الديار إلى مكان الاعداء وقدم التحرز عن القاء النفس في التهلكة فقال
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم جهاد الاعداء وقدموا وقاية ابدانكم (خُذُوا حِذْرَكُمْ) أي ما تحترزون به المطاعن من الدروع والتروس والاسلحة (فَانْفِرُوا) أي اخرجوا (ثُباتٍ) أي متفرقين سرية بعد سرية اظهارا للجراءة (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) ايقاعا للمهابة بتكثير السواد ومبالغة في التحرز عن الخطر
(وَإِنَّ مِنْكُمْ) يا جماعة المبالغين في التحرز (لَمَنْ) واللّه (لَيُبَطِّئَنَّ) أي ليتأخرنّ عن الخروج مع الجماعة أيضا زيادة عن حد التحرز لنفاقه (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) قتل أو هزيمة (قالَ) معجبا برأيه (قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) بهذا الرأى إذ لم يصبنى ما أصابهم (إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) أي حاضرا للحرب
(وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ) فتح وغنيمة (مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ) تحسرا على رأيه بحيث لا يعارضه فرح ما حصل لاخوانه لأنه لا يعتد بمودتهم بل يرى (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ) بالغنيمة واسم الشجاعة (فَوْزًا عَظِيمًا) فهؤلاء انما يقاتلون في سبيل الغنيمة ويرونها كل الفوز فإذا فقدوها رأوه في حياتهم الدنيوية
(فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ) أي يبيعون (الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ) فيتحقق بيعه (أَوْ يَغْلِبْ) فانه وان لم يؤدّ المبيع إلى اللّه تعالى لكنه لما قصده صار كالمؤدّى (فَسَوْفَ)