فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 162
(فِيمَ كُنْتُمْ) أي في أي شيء من أمر دينكم كنتم (قالُوا كُنَّا) عاجزين عن اظهار الدين إذ كنا (مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) أي أرض الاعداء (قالُوا) لم يلجئكم الاعداء إلى مساكنة ديارهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ) التي يمكن فيها اظهار دينه (واسِعَةً فَتُهاجِرُوا) من مكان الاستضعاف المسكون (فِيها) فإذا اختاروا مكان الاستضعاف (فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) لأنهم الذين ضعفوا أنفسهم (وَساءَتْ مَصِيرًا) بدل المصير إلى دار الهجرة فهي واجبة على كل من لا يمكنه اظهار الدين بمكان إلى مكان يمكنه فيه
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ) لعمى أو عرج أو مرض أو فقر (وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) فانهم معذورون في تركها لأنهم (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) في الخروج (وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) أي لا يعرفون طريق دار الهجرة
(فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) فيه إشعار بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى ان المضطر حقه أن يترصد الفرصة ويعلق بها قلبه وان الصبى إذا قدر فلا محيص له عنه وان قوّامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم ثم أكد الاطماع لئلا ييأسوا فقال (وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) ثم أشار إلى أنه ليس في حكم الاستضعاف خوف الادراك في الطريق أو الوصول إلى مكان العدوّ أو ضيق الرزق في المهاجر إليه أو بطلان الاجر بالموت في الطريق فقال
(وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فيه اشارة إلى أن المهاجر في سبيل الشيطان ليس بموعود بهذه الأشياء (يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا) أي طريقا يراغم فيه أنوف أعدائه لقاصدين ادراكه لأنه ليس واحدا بل (كَثِيرًا وَسَعَةً) من الرزق (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ) بخلاف من نوى الهجرة ولم يخرج (مُهاجِرًا) أي مقدرا للهجرة (إِلَى اللَّهِ) أي إلى مكان أمر اللّه به (وَ) أولاه مكان (رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) في الطريق فلا يخاف فوات أجره وغفران ذنبه (فَقَدْ وَقَعَ) أي ثبت (أَجْرُهُ) الكامل لأنه نوى مع الشروع في العمل ولا تقصير منه في عدم اتمامه فكأنه وجب (عَلَى اللَّهِ وَ) غفر ذنبه ورحم غفران الواصل إلى دار الهجرة ورحمته إذ (كانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) قيل لما سمع حبيب بن ضمرة الآية السابقة وهو شيخ كبير مريض قال ما أنا ممن استثنى اللّه لانى أجد حيلة ولى من المال ما يبلغنى المدينة وأبعد منها واللّه لا أبيت الليلة بمكة أخرجونى فخرجوا به يحملونه على السرير حتى أتوا به إلى التنعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله فقال اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايع به رسولك ثم مات فقال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لو وافى المدينة لكان أتم وأوفى أجرا وقال المشركون ما أدرك ما طلب فأنزل اللّه هذه الآية ثم أشار إلى أن من السعة في حق المهاجرين بل في حق كل مسافر قصر الصلاة فقال
(وَإِذا ضَرَبْتُمْ) أي سرتم ممدين السير (فِي الْأَرْضِ) وهو الذهاب مرحلتين (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) أي اثم في (أَنْ تَقْصُرُوا) أي تنقصوا شيأ (مِنَ) ركعات (الصَّلاةِ) ركعتين من الرباعية (إِنْ خِفْتُمْ) من اتمامها (أَنْ يَفْتِنَكُمُ) أي يقاتلكم (الَّذِينَ كَفَرُوا) لأنهم وان راعوا حرمة حرم مكة والاشهر الحرم لا يراعون حرمة الصلاة لعداوتكم (إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) فأصل القصر كان مشروطا