فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 164
(مِنَ اللَّهِ) من القرب منه واستحقاق الدرجات من جناته واظهار دينه (ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا) بأنكم لا تضعفون معهم ان صبرتم (حَكِيمًا) في أمركم بترك الوهن معهم ثم أمر بترك الوهن في الانتصاف من الظالم للمظلوم فقال
(إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) بطريق التسوية بينهم ولم نكلفك الاطلاع على الواقع بل (بِما أَراكَ اللَّهُ وَ) لو لم تفعل فلا تعكس (لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ) أي للذب عنهم (خَصِيمًا) مع البراء (وَ) ان هممت به
(اسْتَغْفِرِ اللَّهَ) لأن همك بالمعصية معصية (إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا) روى ان طعمة بن أبيرق سرق درع جاره قتادة بن النعمان وكانت في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرقه حتى انتهى إلى داره ثم خبأها عند زيد بن السمين اليهودى فالتمست الدرع من طعمة فحلف باللّه ما له بها من علم فقال أصحاب الدرع لقد رأينا أثر الدقيق إلى منزل اليهودى فاخذوها منه فقال دفعها إلىّ طعمة فجاء قوم طمعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسألوه أن يجادل عنه فهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعاقب اليهودى فأنزل اللّه هذه الآية ثم قال
(وَلا تُجادِلْ) اعتمادا على غفران اللّه ورحمته (عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ) أي يتعمدون الخيانة فيظلمون (أَنْفُسَهُمْ) للستر عليهم لأن اللّه لا يريد سترهم (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا) أي مبالغا في الخيانة بالتعمد (أَثِيمًا) بالحلف الكاذب ورمى البريء
(يَسْتَخْفُونَ) أي يستترون بهما (مِنَ النَّاسِ) الذين لا نسبة لهم إلى عظمة اللّه (وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ) فلا يستحيون منه مع جلالة قدره (وَ) لا يمكنهم الاستتار منه إذ (هُوَ مَعَهُمْ) يعلم (إِذْ يُبَيِّتُونَ) أي يزورون (ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ) الحلف الكاذب ورمى البريء وشهادة الزور (وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) فيمكنه أن يفضحكم بظواهركم وبواطنكم بين الخلق الذين كنتم تستخفون من أقل القليل منهم
(ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ) أي تنبهوا أيها المشار إليهم بالاشارة القريبة بان ستركم عليهم لا يمنع من فضيحة اللّه اياهم لأن غايتكم انكم (جادَلْتُمْ عَنْهُمْ) للستر عليهم فانما يكون ساترا (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ) ليدفع فضيحته بمقتضى علمه المحيط الذي يظهر به (يَوْمَ الْقِيامَةِ) بين الأوّلين والآخرين أيكون هناك من يستر عليهم (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) يدفع عنهم ثم أشار إلى أن المعاصى لا تستتر بالمجادلة بل بالاستغفار فقال
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي معصية يسوء بها غيره (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) فيخصها (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي يطلب سترهما من اللّه (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا) أي مبالغا في الستر (رَحِيمًا) بالمحو ثم أشار إلى أن المجادلة لو سترت فلا تستر إذا رمى بها بريئا عنها فقال
(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) فيجوز ان يستره اللّه عليه ولو بالمجادلة (وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أما
(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) أي سهوا (أَوْ إِثْمًا) عمدا (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) فلا يليق بعدل اللّه سبحانه وتعالى ستره (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا) على صاحبه (وَإِثْمًا) صارت خطيئته به عمدا فلا بد في مقتضى العدل الالهى ان يكون (مُبِينًا) لحاله ولو في القيامة
(وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ) بالهداية الكاملة (وَرَحْمَتُهُ) بالعصمة التامة (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) أي لضللت إذ قصدت قصدا كليا طائفة عظيمة ممن يدعى محبتك أن يضلوك برمى البريء والمجادلة عن