فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 171
وأحوالهم (وَ) هو انما يتأتى إذا (اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ) بترك موالاة الكفار (وَ) هو انما يتيسر إذا (أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) فلم يبق لهم فيه تردد (فَأُولئِكَ) لعلو رتبتهم بهذه الأمور لا يكونون في درك من النار فضلا عن الاسفل بل (مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) المستمرين على الإيمان بلا نفاق في الجنان (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ) المستمرين على الإيمان (أَجْرًا عَظِيمًا) فوق أجر من تاب عن النفاق ويحتمل أن يقال وسوف يؤت اللّه المؤمنين بعد ادخال الجنان أجرا عظيما يشارك فيه التائبون عن النفاق ثم أشار إلى أنه انما استثنى التائبين من المنافقين مع كونهم مخادعين للّه مستحقين لعذاب أشد من عذاب الكفار لأن اللّه تعالى لا يعذب أحد اليشفى به غيظا أو يدفع به ضررا أو يجر نفعا بل انما يعذب من يعذبه لأنه حصل له مرض من جهله بالمنعم وعدم شكره له فإذا شكر المنعم وآمن به زال سببه
(ما يَفْعَلُ اللَّهُ) من جر نفع له أو دفع ضر عنه (بِعَذابِكُمْ) الذي كان يعذبكم به لعدم شكركم وإيمانكم (إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) كيف (وَ) مقتضى جوده الانعام على من عرف قدر النعمة وأقر بالمنعم إذ (كانَ اللَّهُ شاكِرًا) أي مجازيا على الشكر بالمزيد (عَلِيمًا) باستعداده للانعام عليه فلا يبعد عليه أن يلحق التائب من الكفر والنفاق بالمستمر على الإيمان والأعمال الصالحة وانما يعذّب من لا يشكره لأنه كالشاكى عنه ولا يحب الشكاية عن مخلوق فكيف عن نفسه فانه
(لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ) أي الظهور (بِالسُّوءِ) أي القبيح من الغير سيما إذا أظهره (مِنَ الْقَوْلِ) وهو الشكاية (إِلَّا) قول (مَنْ ظُلِمَ) بذلك السوء فتظلم به فانه يحبه حتى انه يجيب دعاءه (وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا) لدعائه (عَلِيمًا) بما يستحقه الظالم لو لم يدع المظلوم ثم أشار إلى أنه وان أحب الشكاية فهو أشد حبا للاحسان إلى المسيء والعفو عنه فقال
(إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا) أي تظهروا احسانا إلى المسيء قدمه لأنه أعلى (أَوْ تُخْفُوهُ) أي الخير وهو الاحسان إلى المسيء ووسطه لأنه أوسط (أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ) وهو أدنى لكنه مع دناءته يفيد المناسبة مع اللّه الموجبة لشدة محبته من حيث العفو مع القدرة (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) ثم أشار إلى أن الكفر باللّه أشد من ترك شكره ومن الشكاية عنه فالتعذيب عليه أولى
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) المنعم فضلا عن الاعتراف بنعمه والشكاية عنه (وَرُسُلِهِ) الذين هم أعظم وجوه نعمه مع ان فيه شكاية عن اللّه بانه لم يهد طريقا إلى معرفته وعبادته (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) بانهم كذبوا على اللّه فهم أهل الشكاية وانما أعطاهم اللّه المعجزات امتحانا للخلق مع انهم لم يجعل عليه دليلا فهو مشكو عنه بتصديقهم بالمعجزات (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) فيشكون عن اللّه بتسويته بين الصادق والكاذب في اظهار المعجزات على يديه (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) كأنهم يزعمون أن تصديق الكل افراط وتكذيب الكل تفريط وخير الأمور أوساطها وهو انما يتصوّر حيث يكون وسط به طرفان وههنا لما ساووا في المعجزات والدعوة إلى الحق والقيام بالخيرات في أنفسهم كان الكفر بواحد كفرا بالكل بل باللّه إذ يعتقدون فيه انه صدق الكاذب بخلق المعجزات
(أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) يستهينون باللّه بتصديق