تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 193
للقوّة والنصر (وَرَسُولَهُ) المستفيض منه لهما (وَالَّذِينَ آمَنُوا) الموعود لهم بهما كان من حزب اللّه وهو وان صار مغلوبا حينا فعاقبة الغلبة له (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ) في العاقبة ثم أشار إلى أن موالاة غيرهم ان كانت لجر نفع فضررها أعظم وان كانت لدفع ضرر فالضرر الحاصل بها لا بقى بالمدفوع فقال
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم حفظ تعظيم دينكم ولا تحفظ في موالاة غير من ذكر (لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ) الذي هو رأس مال كمالاتكم الذي به انتظام معاشكم ومعادكم وهو مناط سعاداتكم الأبدية وسبب قربكم من ربكم ومواصلته (هُزُوًا) أي شيأ مستخفا (وَ) بالغوا في الاستخفاف به حتى لعبوا بعقول أهله (لَعِبًا) وذلك مما يخاف سريانه إلى من يواليهم لكونه (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) مع ان الواجب ان لا يبالى لهم لأن وجوده منهم (وَ) من (الْكُفَّارَ) بالسوية من حيث انه لا يستند إلى دليل ومع ذلك يخاف سريانه إلى من يواليهم من العوام فلا تتخذوهم (أَوْلِياءَ وَ) ان اعتقدتم انكم لا تتأثرون بهم (اتَّقُوا اللَّهَ) ان يؤثر فيكم بموالاتهم التي نهى عنها (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بأن مخالفته موجبة لتأثير ما يضر
(وَ) ان كان مما لا ينبغى ان يؤثر في العقلاء كما أنكم (إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) التي هي أكمل القربات نداء راعيتم فيه المعانى الشريفة من تعظيم اللّه باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ومن ذكر توحيده باعتبار ذاته وباعتبار عدم مغايرة أسمائه وصفاته ومن تعظيم رسوله باعتبار قيامه بمصالح المعاش والمعاد ومن الصلاة من حيث هي وصلة ما بين العبد وبين اللّه ومن حيث افادتها معالى الدرجات ومن تعظيم مقصده وهو الفلاح في الظاهر والباطن وما هو غاية مقصده من القرب من اللّه باعتبار عظمة ظاهره وباطنه ومن الوصول إلى توحيده الحقيقى (اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا) يقولون من أين لك صياح كصياح العير (ذلِكَ) الاستهزاء بمثل هذه الأمور (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) فكيف يبالى له وان كان من أهل الكتاب
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) العالمين بالنقائص والكمالات التي يستحق على تحققها وفقدها الاستهزاء (هَلْ تَنْقِمُونَ) أي تصيبون بالاستهزاء (مِنَّا) لنقص فينا وكمال فيكم قد فاتنا (إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) وهو رأس الكمالات (وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) وهو أصل الاعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ) وهو يشهد لما أنزل علينا فجعلتم هذه الأمور نقائص موجبة للاستهزاء (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) أي خارجون عن جميع ما ذكر لدعوة الولد والاتحاد بعيسى أو كونه ثالث ثلاثة وكفركم بما أنزل الينا وتحريفكم لما أنزل اليكم فجعلتم هذه الأمور كمالات يستهزئ من اتصف بها ممن فاتته وهذا الانتقام بالحقيقة مقلوب عليكم
(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ) الانتقام الذي لنا أن ننتقم به منكم ان انتقمتم به منا (مَثُوبَةً) أي انتقاما لنا منكم ثابتا (عِنْدَ اللَّهِ) غير قابل للقلب علينا مثوبة (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) أي أبعده من رحمته منكم (وَ) لم يقتصر عليه بل (غَضِبَ) مع ذلك (عَلَيْهِ) فأعدّله العذاب الشديد الخالد (وَ) لم يقتصر عليه بل عذبهم في الدنيا أيضا بالمسخ إذ (جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ)