تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 194
(وَالْخَنازِيرَ) وهم أصحاب السبت والمائدة (وَ) جعل منهم (عَبَدَ الطَّاغُوتَ) أي عباد العجل فنحن ان كنا شرا بما ذكرتم فلا شك ان (أُولئِكَ) البعداء في مراتب الشر (شَرٌّ مَكانًا) أي منزلة منا كيف (وَ) هم (أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) الموصل إلى الخير (وَ) من علامات كمال شرهم وضلالهم انهم
(إِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا) اظهارا للإيمان أوّل النهار وللكفر آخره للتشكيك على المسلمين (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ) من قصد التشكيك على المسلمين (وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) مستمرين عليه فإن كان هذا الدين باطلا عندهم فما لهم تلبسوا به وان كان حقا فما لهم يلبسون على المسلمين وهذا الشر والضلال مما يدل عليه ظاهرهم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ) مما يوجب تجاوزهم نهاية الشر والضلال (وَ) من دلائل الشر والضلال فيهم أنك
(تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ) من غير مبالاة من اللّه ولا من الناس مستغرقين (فِي الْإِثْمِ) أي المعصية المخصوصة بأنفسهم (وَ) لا يقتصرون عليه بل يسارعون في (الْعُدْوانِ) أي الظلم أيضا لاجل أنفسهم (وَ) لاجل غيرهم من (أَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي الرشوة (لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) من الجمع بين الكفر والتلبيس على المؤمنين وبين المعاصى المخصوصة والمظالم من أجل أنفسهم ومن أجل من أكلوا منهم الرشوة ولا يختص هذا بجهالهم وحكامهم وابناء الدنيا منهم بل يشاركهم فيها زهادهم وعلماؤهم فإن لم يفعلوا بأنفسهم فهلا ينهونهم مع قدرتهم عليه
(لَوْ لا) أي هلا (يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ) أي الرهبان (وَالْأَحْبارُ) أي العلماء (عَنْ) أفعالهم الظاهرة مثل (قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ) كدعوة الولد والقول بالاتحاد أو بثالث ثلاثة واظهار الإيمان بطريق المكر وتحريف الكتاب والاستهزاء بالدين (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي الرشوة المفسدة أمر العالم كله (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) من ترهبهم وتعلمهم لغير دين اللّه
(وَ) لم يقتصروا في ذلك على السكوت بل قال فنحاص بن عازوراء بحضور جماعة رضوا بقوله فكأنه (قالَتِ الْيَهُودُ) كلهم ما لا يصحّ في حق اللّه حقيقة ولا مجازا (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) وأرادوا مقبوضة حين قبض اللّه عنهم الرزق قال اللّه عز وجل في الرد عليهم (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) حقيقة في الآخرة ومجازا في الدنيا لاتصافهم بغاية البخل (وَلُعِنُوا) أي أبعدوا عن الرحمة فلا يوفقون للتوبة (بِما قالُوا) من الكلمة الشنيعة التي لا تصح في حق اللّه حقيقة ولا مجازا إذ لا تجل من جنابه أصلا (بَلْ يَداهُ) أي اسماؤه المتقابلة في الفيض (مَبْسُوطَتانِ) بأنواع العطايا المختلفة والتقابل بين أسمائه حصل التقابل بين الحوادث حتى صار عطاء قوم حزنا لآخرين وهو لا يبالى بهم بل (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) فيصير الخير في حق قوم شرا في حق آخرين (وَ) لذلك (لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) من جوامع الخيرات (طُغْيانًا) أي عدوانا على الناس (وَكُفْرًا) في أنفسهم بعد كفرهم وطغيانهم بالتحريف وأخذ الرشوة أولا (وَ) لا يختص هذا بكتابك بل (أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ) باختلالهم في كتابهم (الْعَداوَةَ) في الظاهر (وَالْبَغْضاءَ) في الباطن ولم يرتفعا بكتابك الآتى لرفعهما بل استمرا مع الزيادة (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) لكن لم يؤثرا فيكم مع الزيادة وقد أثر فيما بينهم بدونهما إذ (كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا) في قلوب الخلق من