تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 195
الغضب (لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) بأخلاقك (وَ) لا ينقطعون برؤية اطفاء اللّه نارهم بل لا يزالون (يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا) بالقاء الشبه (وَ) لكن لا يؤثر سعيهم إذ (اللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) ولذلك ضيق عليهم فضيق الرزق عليهم ليس من بخل اللّه بل من كفرهم ومسارعتهم إلى الكبائر
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) مباشرة الكبائر (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) أي صغائرهم فلا يبقى لهم معصية تكون سببا القبض الرزق عليهم (وَلَأَدْخَلْناهُمْ) في غاية السعة كانهم الآن في (جَنَّاتِ النَّعِيمِ) وسندخلهم فيها بلا عذاب وهذا بمجرد الإيمان وترك الكبائر
(وَلَوْ أَنَّهُمْ) مع ذلك (أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) فعملوا بجميع ما فيها مما لم ينسخ (لَأَكَلُوا) من ثمار بساتينهم ما ينتثر عليهم (مِنْ فَوْقِهِمْ وَ) ما يلتقطون (مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) من غاية كثرتها ومن الرزق المعنوى الهبات السماوية من فوقهم وأجور الأعمال الصالحة من تحت أرجلهم هذا لو اتفقوا على اقامتها لكنهم لا يتفقون بل غايتهم أنه وجد (مِنْهُمْ أُمَّةٌ) أي طائفة (مُقْتَصِدَةٌ) غير غالية ولا مقصرة وهم الذين آمنوا بمحمد (وَ) لو كثرت هذه الطائفة أيضا لحصل ذلك أيضا لكن (كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ) فضلا عن مجرد الإيمان واجتناب الكبائر فضلا عن إقامة الكتب الالهية ولكثرة مساوى الاكثرين مع عجز الامة المقتصدة عن ارشادهم احتيج إلى ارسال الرسول إليهم
(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) الذي أرسل لبيان المساوى لتجتنب (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) مما يفصل مساويهم (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) ما تؤمر به من تبليغ الجميع ستر البعض مساويهم (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) أي شيأ مما أرسلت به (وَ) لا تخفهم في تبليغ مساويهم إذ (اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ) اساءة (النَّاسِ) اليك بل لا يهديهم طريق الاساءة اليك (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) طريق الاساءة اليك ثم أمره بتبليغ ما هو أشد عليهم من بين مساويهم فقال
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) الزاعمين انهم الكاملون في أمر الدين المكملون فيه الناس (لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) فضلا عن الكمال والتكميل ولا يحصلان لكم (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) من سائر الكتب السماوية فتعملوا بكل ما فيها وتكملوا الناس بها ولكنكم كافرون بأكثر ما أنزل اليكم فلستم على شيء مما أقمتم فضلا مما لم تقيموه (وَ) ستتركون إقامة ما كانوا يقيمونه من التوراة بسبب هذا القول فانه واللّه (لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) فضلا عن مثل هذا القول (طُغْيانًا) على كتابهم بالتحريف (وَكُفْرًا) بما فيه من نعوتك وإذا بالغت في تبليغ ما أنزل اليك فرأيت مزيد طغيانهم وكفرهم (فَلا تَأْسَ) أي فلا تحزن (عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) لغاية خبثهم في ذواتهم وانما تتحزن على ما كان قابلا لإزالة الخبث عنه وليس ارسالك لإزالة ما لا يمكن إزالته بل انما امتنع لسوء اختيارهم مع انه ممكن في ذاته كما قال
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) باللسان (وَالَّذِينَ هادُوا) وإن كان لهم ما ذكر من الفضائح (وَالصَّابِئُونَ) كذلك وان كانوا أضل منهم (وَالنَّصارى) وإن قيل فيهم ان اللّه هو المسيح أوانه ثالث ثلاثة (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) منهم بقلبه (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الداعى للإيمان باللّه (وَ) دل عليه بان (عَمِلَ صالِحًا) بمقتضى