تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 196
الكتب الالهية (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من كفرهم ومساويهم السابقة (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من الأعمال الصالحة حال الكفر فانه يبدل اللّه سيآتهم حسنات ويدل على قابليتهم لإزالة الخبث عنهم اعطاؤهم الميثاق بذلك
(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) بإزالته (وَ) يدل على امتناعهم من سوء اختيارهم أنا (أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) كثيرين كل واحد منهم أعقل أهل زمانه وأولى باتباع قوله فمن غلبة خبثهم لم يقبلوا قول أحد منهم لأنهم كانوا يدعون إلى ترجيح أمر العقل والشرع على الهوى الغالب عليهم بل (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ) مع ان وضع الرسالة الدعوة إلى مخالفته لترجيح العقل والشرع عليه (فَرِيقًا كَذَّبُوا) مع ظهور دلائل صدقهم (وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) بعد التكذيب سدا لدعوتهم إلى ما يخالف أهويتهم
(وَ) انما اجترؤا على ذلك لأنهم (حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ) في تكذيبهم وقتلهم (فِتْنَةٌ) أي ابتلاء بتعذيب مع أنهم قد رأوا آثار المكذبين قبلهم وسمعوا اخبارهم (فَعَمُوا وَصَمُّوا) من غاية خبثهم (ثُمَّ) أي بعد هذا العمى والصمم (تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بالتوفيق للإيمان بعيسى فابصرهم آياته الفعلية واسمعهم آياته القولية (ثُمَّ) أي بعد هذا الابصار والاسماع والتوفيق للإيمان بعيسى (عَمُوا) عن رؤية المعجزات الفعلية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم (وَصَمُّوا) عن المعجزات القولية لا جميعهم إذ آمن النجاشى وأصحابه بل (كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَ) هم وان لبسوا على العامة بانصافهم مع عيسى لا يمكنهم التلبيس على اللّه إذ (اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) ثم أشار إلى أن عماهم وصممهم كان قبل مجيء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بما قالوا في عيسى عليه السّلام
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ) اتحد لاهوته بناسوت عيسى فكأنهم قالوا (هُوَ الْمَسِيحُ) وإن قالوا انه من حيث ناسوته (ابْنُ مَرْيَمَ) فعموا عما في عيسى من امارات الحدث (وَ) صموا من مقالاته إذ (قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ) أي يا أولاد المسمى بالعابد للّه (اعْبُدُوا اللَّهَ) ولم يقل اعبدونى ثم صرح بقوله (رَبِّي) قلعا لمادة توهم الاتحاد ولو بقيت الربوبية مع الاتحاد فلا بد من الفرق بين الربوبيتين لكنه نفى الفرق بقوله (وَرَبَّكُمْ) ولو صح هذا الاتحاد في حق عيسى لصح في حق غيره وقت اتحاده به وهو شرك وقد قال عيسى عليه السّلام (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ولا يحرم على من قال بأمر جائزوان حرم فلا يجعل مأواه النار فقد قال (وَمَأْواهُ النَّارُ) كيف والشرك أعظم وجوه الظلم وقد ثبت بقول عيسى الذي قالوا به فيه (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) فلا ينصرهم عيسى ولا غيره ولا حجة ولا شبهة يعتد بها ثم أشار إلى من شركه أظهر فقال
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) والباقيان عيسى ومريم أو أحد الاقانيم أو الجواهر الثلاثة الحياة والعلم وروح القدس (وَما مِنْ إِلهٍ) في نص الانجيل والتوراة وجميع الكتب السماوية ودلائل العقل والكشف (إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) لا يتعدد أفرادا ولا أجزاء (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) بعد ظهور الدلائل القطعية متمسكين بمتشابهات الانجيل (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) بالدلائل القطعية (عَذابٌ أَلِيمٌ) وإن تمسكوا بالمتشابهات مثل عذاب من لا يتمسك بشئ
(أَ)