تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 204
وكان هذا في أوّل الإسلام لقلة المسلمين ثم نسخ لتحريم الشهر الحرام وقتال آمين البيت الحرام والصفح عن أهل التحريف ولا يعم الأحوال كالأوّل بل يختص بالسفر كما قال (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ) أي سافرتم وامتد سفركم (فِي الْأَرْضِ) بحيث بعدتم عن بلاد المسلمين (فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ) أي مرض (الْمَوْتُ) فخفتم على الأموال والودائع والديون فإذا كان الشاهدان من أهل الذمة (تَحْبِسُونَهُما) أي تقفونهما عند المنبر (مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) التي تعظمونها وهي العصر (فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ) لا بشيء آخر يعظمونه (إِنِ ارْتَبْتُمْ) أي شككتم في شهادتهما لعدم إسلامهما فيقولان في القسم (لا نَشْتَرِي بِهِ) أي بقسمنا (ثَمَنًا) للمشهود عليه (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ) كما لا نشهد بالزور (لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ) التي أعلمناها وأمرنا باقامتها (إِنَّا إِذًا) أي إذا شهدنا بالزور أو كتمنا شهادة اللّه (لَمِنَ الْآثِمِينَ) أي المعدودين من المستقرين في الاثم
(فَإِنْ عُثِرَ) أي اطلع (عَلى أَنَّهُمَا) أي الشاهدين (اسْتَحَقَّا) أي استوجبا (إِثْمًا) بتزوير أو كتمان (فَآخَرانِ) أي فيشهد آخران على الاثم (يَقُومانِ مَقامَهُما) لكونهما من أهل الذمة وفيه اشارة إلى اعتبار شاهد مع يمين المدعى لأنه يقوم مقام الشاهد معه وسيصرح به في آخر الآية يشهدان (مِنَ) جهة الورثة (الَّذِينَ اسْتَحَقَّ) أي جنى (عَلَيْهِمُ) وإن قرئ على بناء الفاعل ففاعله القسم فتقبل شهادتهما لأنهما (الْأَوْلَيانِ) إذ لم يظهر استحقاقهما الاثم لكن لكونهما من أهل الذمة (فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا) من جهة الورثة (أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما) من جهة الموصى (وَمَا اعْتَدَيْنا) أي وما تجاوزنا الحق أدنى تجاوز تصير به شهادتنا أحق من شهادة من أفرط في التجاوز (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي من المبطلين حق الموصى بالكلية
(ذلِكَ) الاقسام بعد الصلاة المعظمة عندهم وان لم يرفع الريبة الكلية عنهم لعدم إسلامهم لكنه (أَدْنى) أي أقرب (أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها) الواجب اما لأن يخافوا من اللّه أو يخافوا الفضيحة من شهادة الآخرين مع يمينهما (أَوْ يَخافُوا) الفضيحة من (أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ) على المدعى مع شاهد (بَعْدَ أَيْمانِهِمْ) منهم (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أن يفضحكم أو يعذبكم ان شهدتم لا على وجهها أو تكتموا شهادة اللّه (وَاسْمَعُوا) أمره بالتقوى وأداء الشهادة على وجهها ونهيه عن كتمانها والا كنتم فاسقين (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) إلى حجة تدفع عنهم الفضيحة أو العقوبة* روي أن تميم بن أوس الدارى وعدى بن بدّاء وكانا نصرانيين خرجا للتجارة إلى الشأم ومعهما بديل بن أبى مريم مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فلما قدموا الشأم مرض بديل فكتب ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما بها ثم أوصى إليهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه اناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال فضة منقوشا بالذهب فغيباه فأصاب أهله الصحيفة وطالبوهما بالاناء فجحدا فترافعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحلفهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد صلاة العصر عند المنبر وخلا سبيلهما قال تميم فلما أسلمت تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند