تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 205
صاحبى مثلها فأتوا به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألهم البينة فلم يجدوا فامرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فنزلت فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبى رفاعة السهميان فحلفا فنزعت خمسمائة درهم من عدى بشهادة واحد ويمين المدعى ولو هدى للفاسقين اليوم إلى ما يدفع تهمتهم فلا يهديهم
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) لالزام الكفرة (فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ) أي ما ذا أجابكم من أرسلتم إليهم (قالُوا) لتحيرهم من هيبته (لا عِلْمَ لَنا) وإن علمنا ظاهر ما قالوا لا نعلم ما في قلوبهم لأنه غيب وأنت مخصوص باحاطة المغيبات (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ولم يكن تحير الرسل لغضب اللّه عليهم بل مع تلطفه بهم
(إِذْ قالَ اللَّهُ) يوم جمعه للرسل (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) ناداه باسم أمه لأن النسبة إليها تشعر بالرحمة (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ) أي قوّيتك (بِرُوحِ الْقُدُسِ) أي بجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية بحيث يعلم أنه ليس بواسطة البشر فيشهد ببراءتك وبراءة أمك ومن ذلك التأييد قويت نفسك الناطقة لذلك (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) أي في أضعف الأحوال وأقواها بكلام واحد لا تفاوت فيه وقد تكلمت ببراءة أمك (وَ) إذكر نعمتى من ذلك التأييد أيضا (إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ) أي ظاهر العلم الذي يكتب (وَالْحِكْمَةَ) أي باطنه الذي لا يكتب بل يخص به أهله (وَ) كلاهما فيك إذ علمتك (التَّوْراةَ) الشاملة على الظواهر (وَالْإِنْجِيلَ) المطلع على البواطن (وَ) إذكر ما أثرت بذلك التاييد (إِذْ تَخْلُقُ) أي تقدّر (مِنَ الطِّينِ) صورة (كَهَيْئَةِ) أي كصورة (الطَّيْرِ) لا مع النهى عن التصوير بل (بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها) أي في تلك الهيئة (فَتَكُونُ) فتصير (طَيْرًا) لحصول الروح من نفختك فيها (بِإِذْنِي وَ) كما أثرت بافاضة الروح أثرت بافاضة الصحة إذ (تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ) وهو مع كونه دون الاحياء كان (بِإِذْنِي) فكون الاحياء باذنى بطريق الاولى ثم أشار إلى تأثيره في اعادة المعدوم فقال (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى) من القبور احياء (بِإِذْنِي) فهذا مما فعل به من جر المنافع ثم أشار إلى ما دفع عنه من المضار فقال (وَإِذْ كَفَفْتُ) أي منعت (بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ) أي اليهود حين هموا بقتلك لا لذنبك بل (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ) التي توجب انقيادهم لك لتعاليها عن قوى البشر فلا يتوهم فيها السحر (فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي مضوا على كفرهم من بنى اسرائيل (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي ظاهر لا يلتبس بالمعجزات فهذه كلها نعم لازمة ثم أشار إلى المتعدية فقال
(وَ) إذكر نعمتى التي عليك بالتكميل (إِذْ أَوْحَيْتُ) بطريق الالهام (إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) عن دعوته ليحصل لك رتبة التكميل وثواب رشدهم (قالُوا آمَنَّا) وأكدوا إيمانهم بقولهم (وَاشْهَدْ) لتؤدّيها عند ربك (بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ) أي منقادون لكل ما تدعونا إليه ثم إذكر ما قررنا به إيمانهم وإسلامهم من الانعام بالمائدة إليهم مع ما فيها من النعمة الدنيوية
(إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه لئلا يتوهم انهم اعتقدوا الهيته أو ولديته ليستقل بإنزال المائدة (هَلْ يَسْتَطِيعُ) أي يجيب دعوتك (رَبُّكَ) إذا