فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 225
التذلل فلا يستحقها من لا يخلو عن هذه الوجوه من الذلة وانما يستحقها من كان في غاية العلوّ وحلول الحق فيها ان كان حلول المظروف في الظرف فهو من خواص الأجسام وان كان حلول العرض في الجوهر أو حلول الصورة في المادة فهو حلول افتقار ينافى وجوب الوجود ولا ظهور للحق بالالهية التي هي بوجوب الوجود وأين كمال المظهرية مع النقائص المذكورة وأين الاختصاص ولا وجود لشيء بدون ظهوره فيه
(وَ) كما أرينا ابراهيم وجوه الضلال في اتخاذ الاصنام آلهة باعتبار صورها وأجسامها (كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ليعلم ان شيأ من روحانيات الافلاك والكواكب والمشايخ والشياطين لا يصلح للالهية (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) بالتوحيد بالاستدلال بالادلة الكثيرة وبالسماع من تلك الأرواح ولما رأى الملكوت وأيقن ان شيأ منها لا يصلح للالهية أراد الرد على قومه في اعتقاد الهيتها لخستها باعتبار افتقارها في أفعالها إلى أجسام لها دناءة الافول وان كانت علوية وكذا في اعتقاد الهية تلك الأجسام كما رد عليهم في اعتقاد الهية الاصنام فلتظهر ظهور الكواكب التي كانوا يعبدونها
(فَلَمَّا جَنَّ) أي أظلم (عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا) الزهرة أو المشترى (قالَ) لقومه ارخاء للعنان معهم باظهار موافقته لهم أوّلا ثم إبطال قولهم بالاستدلال لأنه أقرب لرجوع الخصم (هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ) وهو دناءة تنافى الالهية بل تمنع من الميل إلى صاحبها فضلا عن اتخاذه إلها أو معبودا فضلا عما يفتقر إليه (قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ثم انتظر نورا أعلى منه
(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا) مبتدئا في الطلوع (قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ) محو دناءته بعظمته عين الضلال إذ لا تكون عظمته مطلقة والاله لا بد وان تكون عظمته مطلقة فلا يصلح للالهية فضلا عن المفتقر إليه (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) بجعل العظمة القاصرة مطلقة كاملة فانتظر نورا في غاية العظمة
(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي) لم يؤنثه لئلا يعارض عظمته نقص الانوثة ولو غير حقيقية وهي وان كانت في الواقع لم يأت بها لفظا لأنه قصد بذلك مساعدة الخصم أوّلا (هذا أَكْبَرُ) والالهية لا تجاوز الاكبر (فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ) ليس بأكبر على الاطلاق بل لا يمكن جعله شريكا لما هو أكبر بالاطلاق (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) أي بعد ما برئت
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي وجه قلبى وروحى في المحبة والعبادة بل جعلته مسلما (لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) وأرواحهما ليست فاطرة لهما فانهما لا تفعلان الا بهما (حَنِيفًا) مائلا عن الالتفات إليهما والى أرواحهما وان كان فيهما ما هو من أسباب الحوادث إذ لا أثر للأسباب وانما هو للّه معها لا بها ولا يفتقر إليها بل جرت بذلك سنته (وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بأن الاثر لما ظهر منه فيهما أو في أسبابهما
(وَحاجَّهُ) أي أرادوا مغالبته بالحجة (قَوْمُهُ) أي القائمون على العناد فزعموا أن الآثار الأرضية منتسبة إلى حركات الكواكب وأوضاعها لاختلافها باختلافها فهي المؤثرة فيها وان كانت لامكانها مفتقرة إلى اللّه تعالى (قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي) توحيد (اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ) لإقامة الحجج ورفع الشبه على نفى الهية ما سواه