فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 228
وتعريفه انما هو بإنزال الكتاب وهم ينكرون إنزاله (إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) إذ لا يطيق البشر حمل كلامه قاله مالك بن الصيف حين أغضبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها ان اللّه يبغض الحبر السمين وأنت الحبر السمين (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ) أي التوراة (الَّذِي) تعترفون بحقيته وتدعون الإيمان به لكونه (جاءَ بِهِ مُوسى) صاحب المعجزات القاهرة أطاق تحمله عند ظهوره بصور الحروف والكلمات مع أنه لو لم يأت به موسى لم يمكن تكذيبه لكونه (نُورٍ أَ) يكشف الحقائق بالدلائل (وَهُدىً) يرفع اللبس والشبهات (لِلنَّاسِ) الذين غرز في فطرتهم التمييز ورفع الشبهات لكنهم نسوا ذلك فلتذكرهم (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ) أي دفاتر وكيف تنكرونها وأنتم (تُبْدُونَها وَ) لا يبعد منكم الإنكار مع ذلك إذ (تُخْفُونَ كَثِيرًا) مما دل على نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم (وَ) لكن لم يتم لكم اخفاؤها إذ (عُلِّمْتُمْ) من أسرار التوراة على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلم (ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) فكيف تخفون عليه ما هو ظاهر التوراة فإن سكتوا خوف التناقض (قُلْ) منزل التوراة على البشر (اللَّهَ) لنلزمهم التناقض (ثُمَّ) ان زعموا انا أردنا ما أنزل اللّه بعد موسى على بشر من شيء (ذَرْهُمْ) لأنهم (فِي خَوْضِهِمْ) أي أباطيلهم (يَلْعَبُونَ) بلا دليل وكيف ينكرون إنزال هذا الكتاب بعد موسى
(وَهذا كِتابٌ) لغاية عظمته أولى أن يقال فيه (أَنْزَلْناهُ) من مقام عظمتنا لأنه (مُبارَكٌ) يشتمل على ما لا يتناهى من الفوائد في ألفاظ يسيرة ولا يمكن لمخلوق أن يأتى بمثله ولا مانع فيه من تكذيبه ما ثبت نزوله إذ هو (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أنزل تكميلا لما فيه (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى) أي أهل مكة الذي يقصدها الناس لأن الأرض التي خلقوا منها دحيت من تحتها فهم يميلون إليها بالطبع وقد تأكد بالأمر الالهى بالحجج (وَ) لذلك كان انذارها انذار (مَنْ حَوْلَها) من أطراف الأرض ولا يضر إنكار بعضهم له لأنهم لا ينكرونه لنقص فيه بل لعدم إيمانهم بالآخرة إذ يزعمون أنه لن تمسنا النار الا أياما معدودة (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) منهم (بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ) لإيمانهم بها (هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) وغيرهم وان صلوا احيانا فلا يحافظون عليها وهو يدل على أنهم لا يؤمنون بالآخرة وانما يدعون الإيمان بكتابهم تحصيلا للجاه والرشا وهو وان كان ظلما فلا يبعد ممن لا يؤمن بالقرآن فانه أظلم لأنه اما يهودى يحرف التوراة لفظا أو معنى فيفترى على اللّه
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) لأنه يجعل قوله قول اللّه (أَوْ) غيره فإن ادعى النبوّة كذبا كمسيلمة من بنى حنيفة إذ (قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) فهذا يزيد على الافتراء في دعوى النبوّة (وَمَنْ) ينكر إعجاز القرآن حتى (قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ) مع انه قد عرف إعجازه فكأنه ادعى لنفسه قدرة اللّه فكأنه ادعى الالهية لنفسه ولا يجترئ على هذه الوجوه من الظلم من يؤمن بالآخرة فيعلم ما للظالمين فيها (وَلَوْ تَرى) أيها الرائى (إِذِ الظَّالِمُونَ) وإن لم يكونوا أظلم (فِي غَمَراتِ) أي سكرات (الْمَوْتِ) قبل البرزخ والقيامة وما فيها من النار وسائر وجوه العذاب لثقل عليك الأمر فكيف يكون على صاحبه (وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ)