فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 229
كالمتقاضى الملظ وهو شدة مع شدة السكرات وقولهم (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) تغليظا وتعنيفا شدة أخرى وغاية شدائده عنده قولهم (الْيَوْمَ) قبل البرزخ والقيامة (تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ) أي المتضمن للمهانة (بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ) كالتحريف ودعوى النبوّة الكاذبة وهو جرأة على اللّه متضمنة للاستهانة به (وَكُنْتُمْ) في اعراضكم (عَنْ) رؤية إعجاز (آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) حتى قال بعضكم سأنزل مثل ما أنزل اللّه وأقل ذلك أنه يسلب منكم الاستكبار وأسبابه إذ يقال
(وَ) اللّه (لَقَدْ جِئْتُمُونا) فلا يبقى لكم استكبار عند وصولكم إلى من له الكبرياء المطلقة وحلف على ذلك تنزيلا لهم منزلة المتكبرين لسبق إنكارهم كأنهم مستمرون عليه ولم يبق لكم ما يكون لمقربى الملوك عند الوصول إليهم من كثرة الاتباع لكونكم (فُرادى) ليس معكم من يتبعكم إذ هو مقتضى الاعادة لتعودوا (كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) فلا يبقى لكم الجاه الذي هو من أسباب الاستكبار (وَ) لا ما هو منشؤه وهو المال أو الحرفة إذ (تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ) أي فضلناكم به فلم تجعلوه معكم ولا قدمتموه لتجدوه عند نابل جعلتموه (وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ) كما لم يبق لكم الجاه ومبدؤه من جهة أنفسكم لم يبق لكم من جهة متبوعكم إذ (ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ) اعتقدتم شفاعتهم على تقدير البعث وطول مدة العذاب وهم الانبياء أو الملائكة أو الاصنام وكيف يكونون شفعاء عندنا وقد (زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ) مع دخولهم (فِيكُمْ) أيها الحوادث (شُرَكاءُ) والشرك من أسباب العداوة وهم وان لم يعادونا عادوكم واللّه (لَقَدْ تَقَطَّعَ) الوصل (بَيْنَكُمْ وَ) لو لم يتقطع ما كانوا يشفعون لكم لأنه (ضَلَّ) أي ضاع فبعد (عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) من انهم شفعاؤكم على كل ما يصدر منكم من شرك أو إنكار لليوم الآخر أو نبوّة نبى وكيف أنكرتم اليوم الآخر وقد ظهر من دلائله ما أشار إليه قوله عز وجل
(إِنَّ اللَّهَ فالِقُ) أي شاق (الْحَبِّ) بالنبات (وَالنَّوى) بالشجر والنبات والشجر حيان والحب والنوى ميتان فهو (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) اما من كله كالحب أو جزئه كعجب الذنب الذي هو كنوى التمر (وَ) بالعكس (مُخْرِجُ الْمَيِّتِ) كالبيض (مِنَ الْحَيِّ) كالطير لم يعطفه على يخرج لأنه بيان لفالق ولا يصلح هذا للبيانية فيعطفه عليه (ذلِكُمُ) الفالق هو (اللَّهَ) لا الطبيعة ولا الماء والهواء (فَأَنَّى) أي فكيف (تُؤْفَكُونَ) أي تصرفون عنه إلى الطبيعة وغيرها نقيا للبعث إذ ليس للإنسان هذه الطبيعة والا لم يزل ينبت ولا حاجة في الاحياء إلى الشق بل هو اثارة الروح كفلق الاصباح واللّه تعالى
(فالِقُ الْإِصْباحِ) وتركه ميتا مدة معلومة كالسكون بالليل (وَ) اللّه تعالى (جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَ) لا يستبعد ذلك بطول مدة السكون لأنه تعالى جعل (الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) سائرين سيرا يحسب (حُسْبانًا) فكذا جعل القيامة حسبانا يعلمه هو ولا يطلع عليه المنجمون وكيف لا يكون كذلك مع ان (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) أي الغالب على أمره فلا يفعل ما يفعل بطريق الايجاب وان راعى فيه الحكمة لأنه تقدير (الْعَلِيمِ) وقد علم الحكمة في البعث
(وَ) كيف ينكر النبوّة التي هي أصل الهداية إلى ذلك إذ (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي) حال (ظُلُماتِ) أي ضلالات طرق