فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 236

(كانُوا يَمْكُرُونَ) اضرارا بالانبياء فلم يضر سواهم بهذا العذاب الشديد وأما غيرهم

(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ) أي يوسع (صَدْرَهُ) بتصقيله بنور الهداية فيتسع اتساع المرآة لظهور السموات وما دونها (لِلْإِسْلامِ) أي لانطباع عقائده فيظهر لهم هذا المكر الذي هو أوهن من بيت العنكبوت (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ) فلا يؤثر فيه مثل هذا المكر مع بقاء قلبه بحاله بل لا بدّ من تغليب الرين عليه ومن يغلب على صدره (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا) لا يتسع للاعتقادات الصائبة في اللّه والأمور الأخروية وهو وان اتسع للأمور الدنيوية فلا يتسع للاعتقادات الالهية والأمور الأخروية لكونه (حَرَجًا) شديد الضيق بالنظر إليها وذلك لكونها ما نعة من الشهوات التي اتسع لها فيثقل عليها تركها (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ) أي يتكلف الصعود (فِي) جهة (السَّماءِ) وطبعه يهبط إلى الأرض فذلك لوقوع رجس الشهوات عليهم (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) في الاعتقادات والأخلاق وكيف لا يضيق صدورهم عن هذا الدين

(وَهذا) الدين (صِراطُ رَبِّكَ) فلا يكون سهلا مع كونه (مُسْتَقِيمًا) لا ميل فيه إلى افراط وتفريط في الاعتقادات والأخلاق والأعمال فلا عرض له فتضيق القلوب بسلوكه الا ان ينشرح بنور اللّه (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) ثم أشار إلى فائدة سلوك هذا الصراط مع ما فيه من هذا الضيق فقال

(لَهُمْ) أي لأهل هذا الصراط لا لغيرهم (دارُ السَّلامِ) أي السلامة عن كل دناءة لكونهم في مقام القرب (عِنْدَ رَبِّهِمْ) بسلوك صراطه الذي سلموا به عن رذيلتى الافراط والتفريط (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) في امرارهم على صراط الآخرة للوصول إلى دار السّلام (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) لسلوك صراطه في الدنيا ثم أشار إلى ضرر رجس الشهوات التي هي أصل المكر فقال

(وَ) نقول (يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) أي الماكرين والممكورين (جَمِيعًا) ليسمع بعضهم كلام البعض وما يخاطب به (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ) خصهم بالنداء لأنهم الاصل في المكر (قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ) أي استتبعتم بالمكر كثيرا (مِنَ الْإِنْسِ) الذين أنتم اعداؤهم عداوة ظاهرة (وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ) أي مطيعوهم (مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا) أي يأمن ريانا بالشهوات الحاضرة انها أصل المكر إذ بها (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ) نصحونا بايثار الشهوات الحاضرة على اللذات الغائبة ويسروا لنا فيها أمورا شاقة اعتقدنا بذلك الهيتهم فاستمتع كل واحد بالآخر (وَ) لم يكن المانع من الاستمتاع حاضرا إذ لم يعاقبنا في الحال بل اجلت لنا أجلا لنتدبر فيه ونتوب فلم نتدبر ولم نتب فلم نزل مكبين حتى (بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا) للمعاقبة (قالَ) إذا بلغتم أجل المعاقبة بلا توبة (النَّارُ) الحائلة بينكم وبين ما تشتهون (مَثْواكُمْ) أي منزلكم الجامع بينكم ليزداد تألمكم بالاجتماع كما ازداد تنعمكم به (خالِدِينَ فِيها) كما قدر لكم امانيكم الخلود في الشهوات فلم تنظروا في عواقبها (إِلَّا) وقت (ما شاءَ اللَّهُ) ان ينقلكم منها إلى الزمهرير انتقالكم من شهوة إلى اخرى (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ) يعاقب على كل شهوة بما يناسبها (عَلِيمٌ) بتلك المناسبات

(وَ) لا يختص هذا بالجن والانس بل (كَذلِكَ نُوَلِّي) أي نقرن (بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت