تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 242
(إِلَّا بِالْحَقِّ) كالقصاص والرجم وأفرده إشعارا باستقلاله بالحرمة فكيف إذا انضم إليه قطع الرحم وعدم الثقة بضمان اللّه (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) تلطفا ورأفة (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) فالشرك وعقوق الوالدين وقتل الأولاد للفقر منشؤه الجهل بما في الشرك من استهانة المنعم بالايجاد وبما في الاساءة إلى الابوين من مقابلة الاحسان بالاساءة وقربان الفواحش من متابعة الهوى والقتل من متابعة الغضب وكلها أضداد العقل
(وَ) حرم أكل مال اليتيم لأنه بمنزلة قتله لعجزه عن تحصيل معاشه فعزم أن (لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ) إذ هو حماه ومقدمته (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي بطريق الحفظ والانماء فأحسنوا إليه بذلك (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أي قوّته التي يقدر بها على حفظ واستنمائه كيف (وَ) قد حرم في حق الجميع التطفيف إذ عزم ان (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) أي العدل لا على سبيل التحقيق الذي يصعب رعايته إذ (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها وَ) كما حرم عليكم ترك العدل فيه حرم تركه في القول إذ عزم أنه (إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ) المقول فيه (ذا قُرْبى وَ) إذا وجبت رعاية حق خصم ذى القربى فرعاية حق اللّه أولى ولذلك حرم نقض عهد اللّه وعزم أن (بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) بأنكم كنتم أيتاما فلو لم يؤمر الحكام بحفظ أموالكم واستنمائها لهلكتم ولو لم يوف لكم الكيل والميزان لخسرتم ولو لم يقل الحق فيكم لظلمتم ولو نقض عهدكم لغضبتم فما ترضون في حق أنفسكم فافعلوا في حق الغير وأكمل عهوده الايفاء بقواعد هذا الدين وقد حرم على أهل كل عصر مخالفة قواعد دين ذلك العصر إذا تحقق كونه دينا بالاستقامة وأشار إلى ذلك بقوله
(وَأَنَّ) أي ولأن (هذا) الدين لمحمدى (صِراطِي) المنسوب إلىّ لكونه (مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) إذ لم تختلف الاديان في وجوب متابعة المستقيم من دين كل عصر (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) وإن كان فيها ما هو مستقيم في عصره لكنه قد زالت استقامته (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ) عن اللّه لابعادها (عَنْ سَبِيلِهِ) في الحال (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الكفر والضلال بمتابعة السبل المنسوخة جعلنا هذه الوصايا مفتتح التوراة
(ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) أي التوراة (تَمامًا) بسائر الاحكام (عَلَى) النهج (الَّذِي أَحْسَنَ) رعاية مصالح زمانه (وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) من الحقائق الالهية والملكوتية والأمور الأخروية (وَهُدىً) بإقامة الدلائل ورفع الشبه (وَرَحْمَةً) بافاضة الفوائد الكشفية (لَعَلَّهُمْ) أي أهل الكتاب (بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) إذ يعلمون من الدلائل العقلية استحسان ذلك ومن رفع شبه الاستقباح رفع الموانع ومن الدلائل النقلية وجوب ذلك ويتأكد بالقواعد الكشفية ان ذلك مقتضى جلاله وجماله ثم أشار إلى أن التوراة وان كانت تماما على النهج الاحسن فالقرآن أتم منه وأزيد حسنا فهو أولى بالمتابعة فقال
(وَهذا) أي القرآن (كِتابٌ) عظيم الشأن (أَنْزَلْناهُ) من مقام عظمتنا لأنه (مُبارَكٌ) أكثر خيرا من التوراة (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا) متابعة غيره لكونه منسوخا به (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فيه اشارة إلى أنه لا رحمة بمتابعة المنسوخ وان آمن صاحبها بلقاء ربه على أنه لو لم يكن أتم من التوراة لاقتضت الحكمة إنزاله كراهة
(أَنْ)