تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 247
لذلك (فَبِما أَغْوَيْتَنِي) أي لتحقق اغوائك اياى من أجلهم (لَأَقْعُدَنَّ) مترصدا (لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) الذي شرعت لهم ليسلكوه فيصلوا إلى المراتب العالية من التحلى والصعود والاستنارة والتعزز وغير ذلك مما خلقتهم من أجله فأفسد عليهم الاعتقادات والأخلاق
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ) لا فساد أعمالهم (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) لإنكار الجزاء (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) للتشويق إلى الدنيا (وَعَنْ أَيْمانِهِمْ) بمنع الأعمال الطالحة التي يحتاج فيها إلى قوّة الروح على النفس (وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) للحث على الأعمال الطالحة بتضعيف الروح (وَ) بالجملة (لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) صارفين نعمتك إلى ما خلقتها من أجله
(قالَ اخْرُجْ مِنْها) أي من الرتبة التي أخرجتك منها (مَذْؤُمًا) بذم اضلال الخلائق مع ذم ضلالك (مَدْحُورًا) مطرودا من الجهتين (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) نجعله من اتباعك في الذم والطرد (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) يلعن بعضكم بعضا ثم أشار إلى أن أقل ما في متابعة ابليس من غير اتخاذه وليا الخروج من الجنة وان دخلها بلا عمل
(وَ) ذلك أن اللّه تعالى قال (يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) المشتملة على المراتب العالية من التحلى والصعود والاستنارة والتعزز جامعا بينها وبين المراتب الحيوانية (فَكُلا) بلا تراخ (مِنْ حَيْثُ) أي من كل مكان (شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) الدنيئة من بين الاشجار الفائتة للحصر فضلا عن أن ينتفعا بشيء منها فضلا عن الاكل (فَتَكُونا) بمجرد قربانها (مِنَ الظَّالِمِينَ) المضيعين لما حصل من تلك المراتب المستحقين للهتك والعذاب
(فَوَسْوَسَ) مخيلا للنفع (لَهُمَا الشَّيْطانُ) ليهتكا حرمة اللّه فيهتك حرمتهما (لِيُبْدِيَ) أي يظهر (لَهُما ما وُورِيَ) أي ستر (عَنْهُما) فلم ير أحدهما من الآخر (مِنْ سَوْآتِهِما) أي عوراتهما (وَقالَ) في تخييله النفع لهما كما يخيل لكم الآن في عبادته من التقرب إلى اللّه والشفاعة عنده (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ) البعيدة مراتب كمالاتها عن الاحاطة (إِلَّا) كراهة (أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ) لا تشتغلان عنه بطعام وقد أراد شغلكما به ابعاد الكمامنه (أَوْ) كراهة أن (تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) في الجنة وقد أراد إخراجكما عنها
(وَقاسَمَهُما) وراء ما يعدهما (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) في هذا الأمر وان كنت عدوّ كما في سائر الأمور
(فَدَلَّاهُما) أي نزلهما عن عقلهما (بِغُرُورٍ) أي بما غرهما من القسم إذ ظنا أن أحد الا يقسم باللّه كاذبا (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ) أي وجد اطعمها (بَدَتْ) أي ظهرت قبل الفراغ من الاكل (لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا) أي أخذا (يَخْصِفانِ) أي يلزقان (عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) ورقا فوق ورق (وَناداهُما رَبُّهُما) توبيخا (أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ) قربان (تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) البعيدة عن توهم النفع (وَ) ألم (أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما) في كل شيء (عَدُوٌّ مُبِينٌ) وإن اظهر لكما النصح وقاسمكما عليه فلم تتبعا قولى واتبعتماه
(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا) أي أضررنا (أَنْفُسَنا) بمتابعته وترك متابعتك (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا) بمحو هذه المعصية (وَتَرْحَمْنا) بالعود إلى اللطف (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) تخسر جميع ما حصل لنا من الكمالات
(قالَ) انكم