فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 249

المهروب عنه وقد تحقق هرب هؤلاء (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ) ان كانوا (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ) بذلك (مُهْتَدُونَ) يتوصلون بهم إلى اللّه ويستشفعون إليه ولا يعلمون ان ذلك لا يتأتى من أعداء اللّه أصلا ومما حسبوا فيه انهم مهتدون بمتابعة الشيطان تركهم التزين والتلذذ مع العبادة فطافوا عراة وتركهم اللّحم والدسم مع الاحرام فقال عز وجل

(يا بَنِي آدَمَ) الذين خلق لهم الزينة واللذائذ خُذُوا زِينَتَكُمْ) من اللباس (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) أي صلاة وطواف فإن من أفحش الفواحش ترك هذا التزين سيما في العبادة وهي أولى أوقات التزين (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) أيام الحج تقويا على العبادة (وَلا تُسْرِفُوا) اسرافا يوجب الانهماك في الشهوات ويشغل عن العبادة (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) لذلك فإن زعموا ان التزين والتلذذ ينافيان التذلل الذي هو العبادة فيحرمان معها

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ) الذين خلقهم لعبادته فقد أخرجها لهم ليتزينوا بها حال العبادة فعل عبيد الملوك إذا حضروا خدمته ولا ينافى ذلك تذللهم له (وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) التي خلقها لتطييب قلوب عباده ليشكروه والشكر عبادة فلا ينافى التلذذ العبادة بل يكون داعية إليها فإن زعموا ان التزين والتلذذ من طيب الحياة الدنيا ولا يتطيب بها المؤمنون (قُلْ هِيَ) مخلوقة (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) ليعلموا بها لذات الآخرة فيرغبوا فيها مزيد رغبة لكن شاركهم الكفرة فيها لئلا يكون هذا الفرق ملجئا لهم إلى الإيمان فإذا ذهب هذا المعنى تصير (خالِصَةً) لهم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) فلو حرمت على المؤمنين لكانت مخلوقة للكافرين وهو خلاف مقتضى الحكمة وان خلقت للمؤمنين فأولى أوقات الانتفاع بها وقت جريانهم على مقتضى الإيمان وهو العبادة والتقوى لكن من غير انهماك في الشهوات (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الحكمة في خلق الأشياء واستعمال الأشياء على نهج ينفع ولا يضر فإن زعموا أنه يخاف من التزين والتلذذ الوقوع في الكبر والانهماك في الشهوات فيحرمان على أهل العبادة

(قُلْ) انهما من المنافع الخالصة في أنفسهما والافضاء احتمال غير محقق فإذا أفضى فالحرام هو المفضى إليه بالذات لأنه (إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها) كالكبر والانهماك في الشهوات (وَما بَطَنَ) كالاسراف المفضى إليهما غالبا لا ما لا يفضى غالبا (وَ) لكن إذا أفضى حرم لأنه حرم (الْإِثْمَ) كالانهماك في الشهوات (وَالْبَغْيَ) كالكبر الضار للخلق فإن كل ما يضرهم حرام إذا كان (بِغَيْرِ الْحَقِّ) وأما إذا كان بالحق فانه وان كان ضارا في الظاهر فهو نافع في الحقيقة فلا يحرم وتحريم ما لم يحرم اللّه اشراك (وَ) قد حرم (أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ) عليكم (سُلْطانًا) مع ان الأمور الاعتقادية لا يصح الاعتقاد بها الا ببرهان قاطع والخوارق لا تدل على الهيتها فضلا عن أن تكون براهين هذا إذا كان باستقلال والا فهو افتراء على اللّه (وَ) قد حرم عليكم (أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) لا يدل وقوع هذه الأمور من بعض الأمم مع تأخير إهلاكهم على جوازها إذ الإهلاك انما يكون بعد تحقق الجرم وهو بالامهال مدة يمكن فيها التأمل والاعتذار لذلك كان

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت