تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 250
(فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) ولم يتأملوا فيها ولم يعتذروا (لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً) للتأمل والاعتذار (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) باستعجال العذاب استهزاء فإن زعموا أن العقلاء يحترزون المخوفات وان بعد احتمالها قيل لهم يزول ذلك الاحتمال بالرسل
(يا بَنِي آدَمَ) الذي جعله اللّه رسولا فلا يبعد أن يجعل في أولاده الرسل (إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ) أي ان تحقق اتيان رسل (مِنْكُمْ) تعرفون صدقهم وديانتهم (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي) أي يتبعون بعضها بعضا مما يقرر ما يخاف منه وما لا يخاف وما يصلح فيزيل المخوف وما لا يصلح (فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من الاحتمالات (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) من مخالفة من يعتقد فيه كمال العقل
(وَ) كيف يدّعون الاحتراز عن المحتملات البعيدة ولا يبالون بأشد المخوفات من الكفر والتكذيب والاستكبار إذ (الَّذِينَ) كفروا مع دلالة الآيات على أشد المخوفات لكنهم (كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ) لم يكن ذلك لرؤيتهم النقص فيها بل لأنهم (اسْتَكْبَرُوا عَنْها) فزعموا أن الآيات شبهات وما هم عليه صريح العقل (أُولئِكَ) البعداء عن مقتضى صريح العقل (أَصْحابُ النَّارِ) ولا يخرجهم عقلهم منها بل (هُمْ فِيها خالِدُونَ) كيف وهم أظلم الناس في التحليل والتحريم لأنهم ان نسبوهما إلى اللّه من غير سماع منه ولا من واحد من رسله أو ممن سمع منهم كانوا مفترين على اللّه وان نسبوهما إلى عقولهم كانوا مرجحين لها على آيات اللّه مكذبين بالآيات من أجلها
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ) المبالغون بزعمهم في الاحتراز عن الاحتمالات البعيدة (يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) أي مما كتب عليهم من القبائح التي لا احتمال لزوال الخوف عنها كعبادة غير اللّه على ظن انهم شفعاء مما توهموا من المخوفات البعيدة الاحتمالات ويستمرون عليها (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) أي الملائكة لقبض أرواحهم (قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ليكونوا لكم شفعاء مما احتمل عقولكم فلا نراهم يخلصونكم مما تحقق عليكم من هذه الشدائد (قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) فلم يخلصونا من شيء من الموهوم ولا من المحقق (وَ) اعترفوا أن ذلك كان عين المخوف حتى إذ (شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) فلم يفدهم الاعتراف بالكفر بل
(قالَ) أي اللّه لهم (ادْخُلُوا فِي) جملة (أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ) أي مضت قائلة بهذه الاقوال (مِنْ قَبْلِكُمْ) فتبعتموهم (مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) فاتبعوهم (فِي النَّارِ) من غير أن يفيدوكم شيأ بل (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) التي كانت على ملتها (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا) أي تلاحقوا (فِيها جَمِيعًا) أي مجتمعين على العداوة بعد الصداقة (قالَتْ أُخْراهُمْ) أي الاتباع زعما (لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ) الذين (أَضَلُّونا) بتكلمهم بهذه الكلمات قبلنا (فَآتِهِمْ عَذابًا) لاضلالهم ايانا (ضِعْفًا) بضم عذاب ضلالهم إليه فاجعل لهم نصيبا (مِنَ النَّارِ) حتى نتخلص (قالَ) تعالى بل (لِكُلٍّ ضِعْفٌ) للاولى بالضلال والاضلال وللاخرى بالضلال وتقليد أهل الضلال مع وجود الهادين بالبراهين القاطعة (وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) ما يستحقه كل فرقة
(وَقالَتْ أُولاهُمْ) ردا (لِأُخْراهُمْ) التخلص انما يكون بالفضل فإذا ضللتم وقلدتم الضالين (فَما)