فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 273
بحيث (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إلى الفطرة السابقة
(وَ) ان زعموا انهم آخذون بمواثيقه لكونهم تالين لآياته (اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ) بلعم بن باعوراء (الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا) علم الكتاب واسم اللّه الاعظم فكان مجاب الدعوة (فَانْسَلَخَ مِنْها) أي خرج منها خروج الحية من جلدها (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ) أي جعله تابعا في تعليم الحيل المفسدة (فَكانَ) بعد ايتاء تلك الآيات (مِنَ الْغاوِينَ) الذين لا يرجى هدايتهم
(وَ) كانت الآيات بحيث (لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها) بحيث لا يناله الشيطان (وَلكِنَّهُ) نزلناه إذ لم يبال لجانبنا وهو جانب موسى والمؤمنين بل (أَخْلَدَ) أي مال ميلا مؤبدا (إِلَى الْأَرْضِ) أي عالم السفل (وَ) منعناه في المنام إذ وامرنا فلم يتبع منعنا بل (اتَّبَعَ هَواهُ) لما أهدوا إليه فاحبهم وذلك انه كان يسكن ببلاد العمالقة فقصدهم موسى فأتوه ليدعوا عليه فأبى فالحوا عليه فقال حتى أوامر ربى فوامره فنهى في المنام فقال وامرت فنهيت فاهدوا إليه هدية فقبلها ثم راجعوه فقال حتى اوامر فوامر فلم يجئ له نهى فقالوا لو كره ربك لنهاك كما نهاك في المرة الاولى فجعل لا يدعو عليه بشيء الا صرف اللّه لسانه إلى قومه ولا يدعو لهم الا صرف إلى موسى فقالوا أتدرى ما تصنع فقال هذا ما أملكه فاندلع لسانه على صدره فقال قد ذهبت منا الدنيا والآخرة فلم يبق الا الحيلة فزينوا النساء واعطوهنّ السلع وارسلوهنّ إلى عسكر موسى ومروهن ان لا تمتنع امرأة ممن أرادها فإذا زنى أحدهم كفيتموهم فادخل رجل منهم امرأة في قبة فوقع عليها فارسل عليهم الطاعون مات منه في ساعة سبعون ألفا فدعا موسى فاخبر فأمر بقتلهما فارتفع وإذا اندلع لسانه بعد ما مال إلى الهوى ميل الاحمق الذي قربه السلطان إلى عظم عند كلب (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) لأنه استوى في حقه ايتاء الآيات والتكليف بها والتعظيم من أجلها وعدم ذلك كالكلب يدلع لسانه بكل حال لأنه (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ) حملا ثقيلا (يَلْهَثْ) أي يدلع لسانه عن النفس الشديد (أَوْ تَتْرُكْهُ) خاليا عن الأعمال (يَلْهَثْ) وليس ذلك مثلهم لاخذهم بآيات التوراة بل (ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) من التوراة أو غيرها إذ هم كلاب باهويتهم الفاسدة لم يتطهروا بالآيات المطهرة فإن أنكروا انسلاخهم منها (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيعلمون ان قصتهم مثل قصته فيخافون مثل حاله لانفسهم كيف وهي حالة شنيعة إذ
(ساءَ مَثَلًا) ما مثل به (الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) فانهم يصورون يوم القيامة بصور الكلاب (وَ) لم يظلمهم اللّه بسلب إنسانيتهم بل (أَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) بإبطال الإنسانية عليها وانما سلبت إنسانيتهم مع ان الآيات لتكميلها لأنها ليست هادية بانفسها بل
(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ) لتحصيل الكمالات (فَهُوَ الْمُهْتَدِي) لها بتلك الآيات (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) لما عندهم من الكمالات فضلا عن تحصيل ما ليس عندهم وراء كمالاتهم ثم أشار إلى ان خسرانهم الكمالات لخسرانهم أسباب تحصيلها وعدم كون الآيات هادية لهم مع انها انما انزلت للهداية لفقدانهم أسباب الاهتداء بها فقال
(وَلَقَدْ ذَرَأْنا) أي خلقنا (لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ)