تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 3
ممن اجتمع ببلاده أكثر من حصا البطحاء ورمال الدهناء وتفرق في الآفاق منهم ومن سائر الفضلاء حتى أعرضوا عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف فاحتملوا بذل المهج فلم يعارض إلى مدة ثمانمائة واحدى وثلاثين من الحجج الا معارضة ركيكة هي ضحكة للناظرين ومنهم من تعلل بأنه سحر مبين مع أن المعجزة القولية لا مجال لتوهم السحر فيها ولا سبيل لا سبابه إليها مع انها في جميع وجوه الهداية بلغت أقصى الغاية وأشارت إلى ما لا يتناهى من فوائد العلوم المهمة في باب الديانة فأقامت من الحجج ورفع الشبه ما عجز عنه أهل الملل والفلسفة وقد اعترف بفضله من يعتد به منهم وشهد له كتب من تقدم من المرسلين ولذلك ظهر دينه على كل دين وكان علماء امته كانبياء بنى اسرائيل في فتح أبواب اليقين ونصب كل سلطان مبين وكثر أولياء أمته بالكرامات التي هي كمعجزات الأوّلين وقد أعطى منها ما سبق به السابقين فخروج الماء من الاصابع أغرب من خروجه من الحجر وشق البحر دون شق القمر والبراق الرافع إلى ما فوق السموات بليلة مع الرجوع قبل الفجر أجل من ريح غدوّها شهر ورواحها شهر وتكلم الشاة المسمومة وتسبيح الحصا وحنين الجذع أتم من الإحيا محمد سيد الرسل المخصوص بأكمل السبل وأقربها الاسهل الأجمل لذلك كان ناسخ الملل وفاسخ الدول صلّى اللّه عليه وعلى آله الذين فاقوا سائر الأمم مما استنبطوا من الكتاب والسنة من العلوم المهمة التي أناروا بها قلوب العالمين وزينوا بها ألسن العاملين وقوّموا بها أعضاء العأبدين صلاة تنمو إلى أبدالا آبدين وسلم كثيرا (وبعد) فهذه خيرات حسان من نكت نظم القرآن لم يطمث أكثرهن انس قبلى ولا جان ولم يكن لى أن أمسهن إذ لا يمسهن الا المطهرون وأنا غريق ببحر خبث هلك فيه الا كثرون ولكن اللّه سبحانه وتعالى من علىّ بالتيسير في خطبهن الخطير بمحض فضله إذ هو بكل فضل جدير وعلى كل شيء قدير فأمكننى أن أبرزهن من خدورهن ليرى بمرايا جمالهن صور الإعجاز من بديع ربط كلماته وترتيب آياته من بعد ما كان يعد من قبيل الالغاز فيظهر به انها جوامع الكلمات ولوامع الآيات لا مبدل لكلماته ولا معدل عن تحقيقاته فكل كلمة سلطان دارها وكل آية برهان جارها وان ما توهم فيها من التكرار فمن قصور الانظار العاجزة عن الاستكبار ولا بدّ منه لتوليد الفوائد الجمة من العلوم المهمة وتقرير الادلة القويمة وكشف الشبه المدلهمة مأخوذة من تلك العبارات من غير تأويل لها ولا تطويل في اضمار المقدمات ولا ابعاد في اعتبار المناسبات مع وفاء بالاغراض وشفاء للامراض مما فيها من أغذية طيبة لا يعقب اختلالا ولا ملالا وأدوية حلوة جامعة للمنافع حالا ومآلا وثمرات أشجار أصولها ثابتة وفروعها في السماء تؤتى أكلها كل حين لطوائف العلماء لا مقطوعة ولا ممنوعة ومع كونها مرفوعة قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيأ بما أسلفتم في الايام الخالية تجرى من تحتها الانهار من الانوار المتضمنة للاسرار بل مرج فيها بحرا الظاهر والباطن يلتقيان بالتوفيق وان كان بينهما برزخ التفاوت فلا يبغيان في التحقيق