تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 305
تعذيبهم بعدم ايقاع صدقهم عند حلفهم في قلوب الناس فإن أوقع صدقهم فانما دفع عنهم أدنى الضرر
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي يعادهما فلا يرضهما (فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها) فلا يبلغ ضرر الخلق الذين يرضونهم ذلك المبلغ فإن فعلوا ذلك لدفع الخزى الدنيوى من جهتهم فالاولى دفع الخزى الأخروى إذ (ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) لكن المنافقون لا يبالون بذلك الخزى وانما يبالون للخزى الدنيوى فانه
(يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) أي على المؤمنين (سُورَةٌ) أي طائفة من القرآن محيطة باسرارهم احاطة السور بالمدينة (تُنَبِّئُهُمْ) بجميع قبائحهم حتى (بِما فِي قُلُوبِهِمْ) فيفتضحون بها ويفعل بهم مثل ما يفعل بالمشركين (قُلِ) مقتضى هذا الحذر ترك النفاق وأنتم لا تتركونه بل تستهزؤن معه (اسْتَهْزِؤُا) باللّه وآياته ورسوله (إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ) بالوحى أو بطريق آخر من قلوبكم ومن سائر أماكنكم إلى الرسول والمؤمنين (ما تَحْذَرُونَ) خروجه
(وَ) هم يعتمدون في دفع هذا المحذور إذا خرج على عذرهم الفاسد فانك واللّه (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) عن اتيانهم بتلك القبائح المتضمنة للاستهزاء باللّه وآياته ورسوله (لَيَقُولُنَّ) في الاعتذار انه لم يكن عن القلب حتى يكون نفاقا وكفرا بل (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ) أي ندخل هذا الكلام لترويح النفس عن مشاق السفر (وَ) ليس فيه مواطأة القلب بل غايته انا كنا به (نَلْعَبُ) أي نمزح (قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) في ترويحكم ومزاحكم ولم تجدوا لهما كلاما آخر
(لا تَعْتَذِرُوا) بعذر يكون كفرا وان لم يكن عن جد وقصد قلب وهو أفحش من الكفر المستمر إذ (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ) بجعلها مؤمنة مخلصة لكون ضحكها من غير رضا منها والاستهزاء موجب للتعذيب (نُعَذِّبْ) أي نعين للعذاب (طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) بالنطق به أو الرضا وكيف لا نعذب هذه الطائفة وأثر الكامل فيها يسرى إلى الناقص إذ هم كأجزاء الشيء الواحد إذ
(الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) فيتقوى الناقص منهم حتى يلحق بالكامل وكيف لا مع انهم (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ) الكفر والمعاصى (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) الإخلاص والطاعات (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) عن الخيرات (نَسُوا اللَّهَ) الذي يجزيهم على الخيرات والشرور (فَنَسِيَهُمْ) عن لطفه وإخراجهم عنه مع عمومه لكمال خروجهم عن طاعته (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ولم ينسهم باعتبار قهره وانتقامه إذ
(وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ) أي الكاملين والناقصين ما وعد الكفار وان أظهروا الإيمان وأجرى عليهم في الدنيا أحكام المؤمنين لكن وعدهم (وَالْكُفَّارَ) الذين أظهروا كفرهم (نارَ جَهَنَّمَ) وهي وان أخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فلم يؤثر ما ظهر من إيمانهم في ذلك بل جعلوا (خالِدِينَ فِيها) وهم وان شاركوا الكفار في عذابهم بنار (هِيَ حَسْبُهُمْ وَ) لكن زيد في حقهم ان (لَعَنَهُمُ اللَّهُ) لعنة خاصة بهم (وَلَهُمْ) من تلك اللعنة (عَذابٌ مُقِيمٌ) وراء إقامة العذاب المشترك ولا ينافى هذا اللعن التنعيم الدنيوى إذ أنتم أيها المنافقون في ذلك
(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ممن أنعم عليهم ثم عذبوا إذ (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) في أنفسهم (وَأَكْثَرَ أَمْوالًا) تفيدهم مزيد قوّة