فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 325

البقاء مع فجأة الفناء كتزيين الدنيا وايهام بقائها لمن آثرها على الآخرة مكرا به فقال

(إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي صفتها العجيبة التي يمكر بها أهلها فيؤثرونها على الآخرة ثم يسلب عنهم مع الآخرة (كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ) إذ يرونها وأموالها وجاهها فائضة من اللّه (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) كما يختلط بحبها القلب الخسيس خسة النبات من حيث كونها (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ) لكن يغتر القلب بزينة مالها وجاهها اغترار الأرض (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها) أي زينتها من نباتها (وَازَّيَّنَتْ) بأنوارها وثمارها (وَ) اغتر أهلها ببقائها إذ (ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) أي تستمر قدرتهم على تحصيل حبوبها وثمارها (أَتاها أَمْرُنا) بالإهلاك (لَيْلًا) مبالغة في المكر (أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا) أي كالمحصود بل (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ) أي لم تنبت (بِالْأَمْسِ) أي قبيل ذلك الوقت فالممثل الحياة إذا تزينت بالمال والجاه ثم هلكت وفاتها المال والجاه مع ذهاب الآخرة فكما فصلنا هذه الآية بهذا المثال (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) بالامثلة تقريبا (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فإن الأمور الحسية أقرب إلى الفهم من العقلية إذ يعارض فيها الوهم والخيال

(وَ) لا يقبح مكر اللّه قبح مكر غيره لأنه مع البيان إذ (اللَّهُ) مع هذا المكر (يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ) ببيان طريقه ليسلم من مكره في تزيين الدنيا والشهوات (وَ) لا ينافى بيانه مكره لأنه انما يرتفع بالهداية لما بين ولا تعم بل (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) بمتابعة بيانه ليوصلهم (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) بجعلهم في دار السّلام والمكر لا يضر في حقهم بل ينفعهم أكثر مما لو اهتدوا بدونه إذ

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) النظر فعرفوا مكر الدنيا والشهوات فأعرضوا عنها وتوجهوا إلى اللّه فعبدوه كأنهم يرونه المثوبة (الْحُسْنى) فوق المثوبة التي تحصل بالهداية بلا مكر على عبادة اللّه (وَزِيادَةٌ) هي رؤية اللّه بالبصر كما يرانا هو على رؤيتهم اياه في العبادة بالقلب (وَ) صفاء قلوبهم يبيض وجوههم قبل دخول الجنة في أهوال القيامة بحيث (لا يَرْهَقُ) أي لا يغشى (وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ) أي غبرة سوداء من أثر حب الدنيا والشهوات (وَلا ذِلَّةٌ) من آثار الالتفات إلى ما دون اللّه فيصيرون في أهوال القيامة بحيث يشار إليهم بأن (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ) بل كأنهم من ذلك الوقت (هُمْ فِيها خالِدُونَ) فلم يضرهم المكر بل أفادهم هذه الفائدة لمبالغتهم في الاحتراز عنه

(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ) اغترار بالمكر فلا يقبح المكر في حقهم أيضا إذ غاية ضرره لهم انه يكون (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) فيعذبون بقدر ما تلذذوا بمعاصيهم (وَ) يكفيهم ما آثروه من المال والجاه في دفع الجزاء من العذاب انهم (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) لميلهم إلى الدنيا والشهوات الخسيسة ولا ينفعهم ما آثروه من المال والجاه في دفع الجزاء إذ (ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ) بل يزيدهم عذابا إذ تصير حجبا مظلمة على القلوب فتسرى ظلمتها لى الوجوه (كَأَنَّما أُغْشِيَتْ) أي ألبست (وُجُوهُهُمْ قِطَعًا) أي أجزاء (مِنَ اللَّيْلِ) حال كونه (مُظْلِمًا) لا مقمرا فيصيرون بحيث يشار إليهم بأنّ (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) بل كأنهم من ذلك الوقت (هُمْ فِيها خالِدُونَ) فيبدل تنعمهم بالعذاب وتزينهم بالذلة وخضرتهم بالسواد

(وَ) من مكر اللّه بهم ايهامهم شفاعة الاصنام في عبادتها ثم إنكارها عبادتهم يوم يتوقعون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت