فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 328
(كَذَّبُوا بِما) لا يسوغ لهم تكذيبه لأنه انما يسوغ بعد الاحاطة بحال المكذب وهؤلاء (لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) الذي لا يتناهى وكيف يحيطون بعلمه (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) الذي به ارتباط نظمه وترتيب آياته ولا يستغرب منهم هذا التكذيب لكونه عادة مستمرة لامثالهم إذ (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وليس اتباعهم خيرا لهم لأنه ايقاع في ظلمهم الذي عوقبوا به فإن لم ينظروا إليه (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) ليس عدم إعجاز القرآن ظاهرا حتى لا يكون مكذبه ظالما والا لم يختلف العقلاء فيه لكنهم اختلفوا إذ
(وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) فيعترف بإعجازه (وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ) فينكر إعجازه والكل يزعم ظهور ما هو عليه فلا بد أن يكون أحد الفريقين مفسدا بالعناد (وَ) هو وان لم يظهر لبعض الناس من تلبيسه عليهم فليس بمانع من عقوبته عقوبة الظلم إذ (رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ* وَإِنْ كَذَّبُوكَ) بعد ظهور افسادهم بالعناد (فَقُلْ لِي عَمَلِي) الذي هو الاصلاح الكلى للقوّة العلمية والعملية (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) الذي هو الافساد الكلى لهما وليس ذلك بطريق الجزئية بل (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) فليس في عملكم شيء من الاصلاح ولا في عملى شيء من الافساد
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ) أي يقصد سماعه متوجها (إِلَيْكَ) ليعلم منه ومن حالك انه اصلاح كلى أم لا (أَ) يمكنك اسماعه على ما هو عليه (فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ) الذي لا يسمع الشيء على ما هو عليه (وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ) الأشياء على ما هي عليها فهم يعتقدون الاصلاح فيما ألفوه من آبائهم دون ما يخالفه
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ) ليعلم من حالك صحة دعواك الاصلاح الكلى (أَ) يمكنك ابصاره على ما هو عليه (فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ) الذي لا يبصر الاصلاح الا في عمل آبائه (وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ) حقائق الأشياء
(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) فلا يسمع ولا يبصر الصالح غير صالح وغير الصالح صالحا (وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) باعتقاد الصلاح فيما سمعوه من آبائهم أو رأوه من أفعالهم لا فيما سمعوه من اللّه أو رسوله أو رأوه منهما فيريهم كذلك
(وَ) لا يختص عدم اطلاعهم على الحقائق باليوم بل يستمر إلى يوم المحشر فانه (يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) بعد مدة مديدة في القبر يعتقدون قصرها (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ) لكنهم اليوم لا يتعارفون بجهلهم يومئذ (يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ) بجهلهم مع مجيء الرسل بالمعرفة الكاملة فيقولون (قَدْ خَسِرَ) الثواب الابدى والسعادة الأبدية من قرب اللّه (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ) فرأوا اعتقاده الذي هو أصل كل صلاح كل فساد (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) للنجاة إذ لم يبالوا بفساد الاعتقادات والأعمال بل رأوا ذلك صلاحا
(وَ) لما لم يعرفوا الصلاح والفساد من ذوات الأشياء بل من آثارها لم يكن بد من اظهارها فمنها ما ينبغى أن يظهر في الدنيا ومنها ما ينبغى أن يظهر في الآخرة والأوّل يختص بالبعض والثاني يعم الكل (إِمَّا نُرِيَنَّكَ) أي ان نحقق اراءتنا اياك (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) على رؤيتهم الصلاح فسادا والفساد صلاحا (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) أي أو نحقق توفيتنا اياك قبل الارادة (فَإِلَيْنا) في الوجهين (مَرْجِعُهُمْ) لاراءة ما يعم الكل (ثُمَّ) لا يمكنهم إنكار شيء من ذلك إذ (اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ) لا اعتذار إذ
(وَلِكُلِّ)