فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 329
(أُمَّةٍ رَسُولٌ) أزال اعذارهم فإن زعموا أنهم كانوا غافلين ولا تكليف للغافل أزيل هذا العذر باحضار من أرسل إليهم (فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ) فشهد بكيفية إزالة اعذارهم (قُضِيَ) قضاء رافعا للنزاع (بَيْنَهُمْ) وبين ربهم بحيث يعترفون كونه (بِالْقِسْطِ وَهُمْ) لو لم يعترفوا بذلك يظهر بذلك انهم (لا يُظْلَمُونَ) غاية طعنهم على الرجوع إلى اللّه تعالى انهم
(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) بينوا وقته (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في أنكم تعلمون وقوعه فإن من علم وقوع شيء علم وقت وقوعه
(قُلْ) هذا منقوض بان كل واحد يعلم انه يحصل له نفع وضر ولا يعلم وقتهما والا لامكنه جذب كل نافع ودفع كل ضار ولكنى مع غاية كمالى (لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي) فضلا عن الغير (ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) ولو قالوا ذلك فيما له وقت معين والنفع والضر مما لا وقت له معين قيل لهم (لِكُلِّ) واحد من آحاد كل (أُمَّةٍ أَجَلٌ) معين يعرفه ولا يعرف وقته والا لملكه فامكنه تقديمه وتأخيره ولكن لا يمكن (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً) أي لا يمكنهم طلب تأخيره ساعة إذا علموا فيه ضررا ليدفعوه (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) إذا علموا ان في تقديمه نفعا ليجذبوه
(قُلْ) ان كان سؤالكم عن وقت استعجاله فليس بمرغوب في أي وقت كان (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا) أي ليلا (أَوْ نَهارًا) فلا شيء منه بمرغوب البتة (ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) فيسألونه سؤال رغبة وان كان للإيمان به بعد وقوعه فلا ينفع
(أَ) تصرون على الكفر إلى وقت وقوعه (ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ) أي بعد حين وقوعه (آمَنْتُمْ بِهِ) فيقال لكم (آلْآنَ) آمنتم به حين اضطررتم إليه (وَقَدْ كُنْتُمْ) مبالغين في تكذيبه إذ كنتم(بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
ثُمَّ)لا يقتصر على لومكم وعقابكم بل (قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) بالمبالغة في تكذيبه إلى حد الاستعجال بعد مبالغة اللّه في إقامة دلائل وقوعه (ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ) لانكم انما استعجلتم به لاعتقادكم انه لا يقع أبدا فلا ينقطع عنكم أبدا لذلك يقال (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) من حجب الجهل المركب بنفى امر مؤبد على التأييد
(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ) أي ويستخبرونك (أَحَقٌّ هُوَ) أي الوعد بعذاب الخلد مع انه على جرم متناه أم مجرد تخويف (قُلْ) أي نعم (وَرَبِّي) الذي هو عدو من عاد انى ولا نهاية لمقدار جرم العداوة معه (إِنَّهُ لَحَقٌّ) لكونه على جرم غير متناهى القدر وان تناهى وقته (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) بهذه الشبهة له إذ لا يتقدر الجرم بمقدار الوقت
(وَ) هذا الجرم من العظمة بحيث (لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ) لو قبل منها الفداء (وَ) لم يضروه بهذه العداوة بل اضروا انفسهم لذلك (أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ) هو وان عظمت عداوته (قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ) وإن لم يزالوا يزدادون شدة (لا يُظْلَمُونَ) لأن هذا الجرم لا يزال يزداد عظمته بازدياد ظهور عظمة اللّه ولم تكن عظمته مما يخفى اصلا
(أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ويكفى في عظمة الجرم تكذيبهم اللّه في وعده (أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) لاستبعادهم البعث والجزاء ولا يبعدان منه إذ
(هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَ) ليست اماتته اعداما ولا عبثا بل (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فإن زعموا ان التعذيب مضرة محضة