فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 330
لا نفع فيها للمعذب ولا للمعذب فكيف يقع قيل لهم
(يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي الذين نسوا حكمة اللّه في التخويف بالعذاب (قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ) أي تخويف داع إلى تحسين الأفعال فلا بد من صدورها (مِنْ رَبِّكُمْ) ليربى أفعالكم (وَ) هو كما يصلح الأفعال يصلح الأخلاق إذ هو (شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ) من الأخلاق الرديئة (وَ) التعذيب وان لم ينفع المعذب ولا المعذب ينفع من كان له (هُدىً وَ) هو انما يحصل باعتقاد وقوعه اعتقادا جازما مطابقا للواقع فهو (رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) فإن زعموا ان التخويف مضرة تذهب بمنافع الشهوات
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ) في اصلاح الأفعال والأخلاق (وَبِرَحْمَتِهِ) في إعطاء الاجر والتقريب عليها (فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) بدل الفرح بالشهوات بل ينبغى ان يكون بذلك أكثر إذ (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) من أسباب الشهوات إذ لا ينتفع بجميعها ولا يدوم ويفوت به اللذات الباقية بحيث يحال بينهم وبين ما يشتهون على انه لا يمنع جميع الشهوات بل ما قبح منها دون ما حسن وان حرمتم بعض ما حسن
(قُلْ أَ رَأَيْتُمْ) أي اخبرونى كيف قسمتم (ما أَنْزَلَ اللَّهُ) من مقام فضله ورحمته (لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ) من عند أنفسكم (مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا) لتكفروا ببعض ما انعم به عليكم بل بالتحليل والتحريم من عند أنفسكم (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) مع ان إذنه لا يعرف الا بالسماع منه ولا يسمع منه الا نبى او ملك وانتم تنكرون النبوّة ونزول الملك عليهم (أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) هذا الافتراء موجب للتخويف
(وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) ما ذا يفعل بهم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) لكنهم يفترون بفضله فيجترؤن به على إبطال فضله الذي انزل منه الرزق (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) في إنزال أنواع الرزق (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) فيحرمون بعضه إبطالا لفضله فكانهم قالوا أنت تحرم من عند نفسك وتتلو على اللّه ما تفترى عليه وتعمل أعمالا تفترى على اللّه انه امر بها فقال تعالى في الرد عليهم
(وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ) من التحليل والتحريم (وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) بجميع العلوم الاعتقادية والعملية (وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) بعين العناية تفيض بها عليكم علوما ومعجزات وكرامات (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) في معرفته والأعمال المقربة إليه وانى يكون ذلك في حق المفترى الا من الجهل بافترائه والمكر بالمفترى أو أتباعه (وَ) لكن لا جهل في حق اللّه لأنه (ما يَعْزُبُ) أي ما يغيب (عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) بل (وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ) ولو فرض له نسيان لأنه ما من شيء مما ذكر (إِلَّا) هو مسطور (فِي كِتابٍ مُبِينٍ) لا يلتبس ما فيه على من طالعه وهو اللوح المحفوظ وليس هذا من المكر بك ولا باصحابك إذ حصلت لك الولاية الخاصة ولهم الولاية العامة ولا مكر في اعطائهم المعجزات والكرامات
(أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من جهة المكر ولا من جهة أخرى في الحال (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) في الاستقبال وليست الولاية مختصة بأهل الرهبانية بل تعم
(الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) القبائح من الأفعال والأخلاق وكيف تكون الكرامات والمعجزات في حقهم مكرا مع أن
(لَهُمُ الْبُشْرى) بها (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) بالقرب