تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 35
عليه انه (يَمُدُّهُمْ) بالنعم مستغرقين (فِي طُغْيانِهِمْ) مجاوزة الحد في الضلال (يَعْمَهُونَ) أي يتردّدون مع حدوث الدلائل يوما فيوما فهذا دليل على مزيد عذابهم الذي هو أشد وجوه الاستخفاف وسيفتح لهم في النار بابا إلى الجنة كلما صاروا إليه سد عليهم وكيف لا يستهزئ اللّه بهم وهم أسفه الناس معاملة معه إذ
(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا) أي استبدلوا (الضَّلالَةَ) أي النفاق (بِالْهُدى) أي الإيمان الذي أنطق اللّه به ألسنتهم وفيه ربح الدارين وفى الضلالة خسرانهما فإن لم يكن خسران الدنيا (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) أي ما كانت سبب ربح الدنيا وقد خسروا الآخرة إذ ضيعوا رأس مالها (وَ) هو الهدى لأنهم (ما كانُوا مُهْتَدِينَ) بمجرد النطق بالإيمان وان كان هدى في نفسه كيف وقد استبدلوه بتكذيب الباطن فلم يربحوا شيأ وقد خسروا سعادة الابد التي لو استبدلوها بسعادة الدنيا كان عين الخسران العظيم فكيف إذا لم يحصل أيضا وأى سفه أعظم من ذلك
(مَثَلُهُمْ) أي صفتهم العجيبة الشأن في اشتراء الضلالة المظلمة بالهدى المنير (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا) أي طلب الوقود ليرتفع لهب النار لمزيد الانارة إذا ادعوا لانفسهم قوّة الإيمان الذي هو في الانارة المعنوية مثل النار في الحسية أو أشد (فَلَمَّا أَضاءَتْ) النار (ما حَوْلَهُ) أي حول المستوقد فابصر ما فيه اطفأ النار على ظن انه لم يبق له إليها حاجة كذلك اطفاء هؤلاء مصباح الإيمان من باطنهم على ظن انه لا يحتاج إليه الا في حقن الأموال والدماء مما حول النفس وقد حصل كالابصار للمستوقد فلما ماتوا (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) أي بفائدته من حقن الدماء والأموال (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ) ظلمة الكفر وظلمة أهوال يوم القيامة وظلمة غضب اللّه وعقابه بحيث لا يعقبها نور إذ (لا يُبْصِرُونَ) خلاصهم عنها فهذا مثلهم لو سمعوه لكنهم
(صُمٌّ) ولو سمعوا لم ينطقوا بما يزيله من الإيمان الخالص لأنهم (بُكْمٌ) ولو أمكنهم النطق به لم ينطقوا إذ لا يرون حسن الإيمان وقبح النفاق لأنهم (عُمْيٌ فَهُمْ) وإن أمكنهم الاقالة (لا يَرْجِعُونَ) عن ضلالتهم إلى هداهم
(أَوْ) مثلهم في اشتراء الضلالة بالهدى (كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) أي كمثل مستبدل مكان مطر كثير من السماء وهو نظير الإسلام الذي هو مكان مطر العلوم النافعة بمكان لا صيب فيه وهو نظير الكفر الذي ليس في مكانه مطر علم نافع استبدلوا مكان الصيب بما فيه من أذيات إذ (فِيهِ ظُلُماتٌ) ظلمة تتابع القطر وظلمة الغمام وظلمة الليل (وَرَعْدٌ) هو الصوت المسموع من السحاب باصطكاك أو خرق (وَبَرْقٌ) ما يخرج منه من الاجزاء المحترقة الدخانية التي فيها دهنية بالحرق ولا شيء من ذلك في مكان لا صيب فيه كذلك في الإسلام أذيات مطاعن الجهال والجهاد والهجرة عن الأهل والأموال ورعد الوعيد على المعاصى وبرق الدلائل المانعة من استيفاء الشهوات وإمضاء الغضب بل كما أن الهاربين من مكان المطر (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ) أي أناملهم (فِي) صماخ (آذانِهِمْ) خوفا (مِنَ) تأثير أصوات (الصَّواعِقِ) جمع صاعقة نار تنزل من السحاب يجعلونها فيها (حَذَرَ الْمَوْتِ) من تأثيرها فكذلك هؤلاء يجعلون أصابعهم