فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 36

فى آذانهم من سماع الوعيد لئلا يلجئهم إلى إخلاص الإيمان الذي يرونه موتا بفوات ما ألفوه من دين آبائهم (وَ) هؤلاء وان هربوا من سماع الوعيد فلا يفوتونه إذ (اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) محيط بهم قهره أينما هربوا ثم انه كما يخاف الهاربون من المطر لأجل البرق إذ

(يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ) أي يعمى (أَبْصارَهُمْ) كذلك هؤلاء يخافون من برق الدلائل أن يخطف أبصار شبهاتهم وكما ان الهاربين من المطر (كُلَّما أَضاءَ) العالم بالبرق (لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) كذلك هؤلاء المنافقون إذا رأوا غلبة نور الإسلام مشوا فيه (وَ) كما ان الهاربين (إِذا أَظْلَمَ) العالم (عَلَيْهِمْ) بذهاب البرق (قامُوا) كذلك هؤلاء إذا ظهرت لهم أذية قاموا في كفرهم ظاهرين به فهذا مثلهم لكنهم لا يسمعونه ولا يبصرون ما فيه لذهاب سمعهم وأبصارهم الباطنة (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) الظاهرة أيضا كما لو شاء لذهب بسمع الجاعلين أصابعهم في آذانهم من الصواعق وأبصار الخائفين من البرق بل لو شاء لذهب بهما من غير صاعقة ولا برق (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يحتاج إلى سبب ولا يمنعه مانع ثم أشار بأن هذا تمثيل لا يفيد علما فلا يعارض الدليل القاطع على وجوب عبادة اللّه بالإسلام له والانقياد لاحكامه فقال

(يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي يا من نسى الاصل الذي يتمسك به في مثل هذه المواضع فتمسك بهذا التمثيل الضعيف (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) فإن مقتضى حقيقة الرب أن يكون معبود او حقيقة العبد أن يكون عابدا سيما إذا أنعم عليه بأجل النعم وهو الايجاد وما يتوقف عليه إذ هو (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) من مقدمات وجودكم فهذا الخلق يقتضى أجلّ وجوه الشكر وهو العبادة (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سخطه بترككم مقتضى ربوبيته وعبوديتكم واهمالكم شكر اجل نعمه ثم التمثيل مقلوب عليكم على أبلغ الوجوه وهو أن ما جعلتموه مشبها به للهرب عن الإسلام أولى بأن يكون من أسبابه باعتبار ذاته ومبدئه ومنتهاه وما يحصل منه إذ هو

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا) أي وطاء قرركم عليها بأن جعل بعض أجزائها بارزة عن الماء مع اقتضاء طبعه الاحاطة بها وجعلها بين الصلابة واللطافة لتقعدوا وتناموا عليها كالفراش (وَالسَّماءَ بِناءً) أي سقفا مرفوعا تستظلون به عن أشعة أنوار الملائكة العلوية (وَأَنْزَلَ مِنَ) بعض أوضاع (السَّماءَ) في حال حركاتها (ماءً) لانبات النبات الحامل مواد الثمرات (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ) إذ جعل في الماء قوّة فاعلة وفى الأرض قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع النبات والثمار ليكون (رِزْقًا لَكُمْ) وكما تفرد بهذه الانعامات أفردوه بالعبادة (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا) أي أمثالا في استحقاق العبادة فضلا عن الاشتراك في الالهية أو الصفات الكمالية (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) انه لم يخلقكم ولا من قبلكم ولا السماء ولا الأرض ولا أنزل الماء ولا أخرج الثمرات وهذا هو الإسلام الذي يقتضيه المطر مع لواحقه ولم يمنع طاعة الغير إذ هي امتثال أمر من له الأمر كالرسول والحاكم بخلاف العبادة فإنها غاية التذلل فلا يستحقها الا من له غاية العظمة ولما كانت العبادة مقتضى ذات الرب والعبد ومقتضى انعامه عليه لم يكن بد منها في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت