تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 354
تمحضت شقاوته أو سعادته
(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) بلا سعادة (فَفِي النَّارِ) لا تؤثر فيهم شفاعة لانتهائهم فيها إذ (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ) ترديد النفس في الصدر حتى ينتفخ منه الضلوع (وَشَهِيقٌ) رد النفس إلى الصدر والمراد شدة كربهم وغمهم من استيلاء الحرارة على القلب وانحصار الروح فيه وقيل الزفير أوّل صوت الحمار والشهيق آخره والمراد تشبيه صراخهم بصوت الحمار ولعدم انتهاء شقاوتهم يكونون
(خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) أي المظل والمقل الأخرويان (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) أي وقت مشيئته تعذيبهم بالزمهرير (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) من التعذيب بالنار مرة وبالزمهرير أخرى
(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) بلا شقاوة (فَفِي الْجَنَّةِ) من غير حاجة إلى شفاعة لكمال سعادتهم لذلك يكونون (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) الأخرويان (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) أي وقت مشيئة اكرامهم برؤيته الشاغلة عنها فتكون سعادة هؤلاء وشقاوة الأوّلين (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي مقطوع وإذا كان تعذيب الأوّلين في الدنيا ليكون آية لمن خاف عذاب الآخرة
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) أي شك في ذلك العذاب لهؤلاء من عدم تعذيبهم في الدنيا لأنه قد ظهر انه حق هؤلاء (مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) لأنهم كآبائهم المعذبين لذلك إذ لا تفاوت في عبادتهم فانهم (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ) المعذبون (مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا) ان لم نعذبهم في الدنيا على ذلك كما عذبنا آباءهم (لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من عذاب الدنيا في الآخرة ليكون (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) مع كمال الغضب الالهى عليهم كما كان على آبائهم
(وَ) لا يبعد أن يعذب اللّه قوما في الدنيا ويؤخر عذاب آخرين إلى الآخرة فانه بعد أخذ فرعون وملائه على تكذيب موسى (لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) وليس الاختلاف فيه بأقل من تكذيب موسى مع انه أخر عذابهم إلى يوم القيامة لعل بعضهم يؤمن وبعضهم بلد مؤمنا فهؤلاء وان كانوا كفرعون سبقت كلمة ربك بتأخير عذابهم (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) بتأخير أمرهم إلى الآخرة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بما يميز المحق من المبطل كيف (وَ) قد تأكد ذلك بمقتضى الحكمة (إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) أي من هذا القضاء (مُرِيبٍ) أي موقع للناس في الريبة
(وَ) لكن لا وجه للشك فيه (إِنَّ كُلًّا لَمَّا) عمل عملا واللّه (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ) المبلغ للأشياء كمالاتها (أَعْمالَهُمْ) تربية للمعانى التي فيها (إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فلا يمنعه من التوفية التي يقتضيها عموم قدرته وعدم احاطته أحد هذا إذا قرئ بتشديد لما مع تشديد ان أو تخفيفها من المثقلة عاملة أو غيرها وان خففت لما مع تشديد ان وأعمالها فمعناه وان كلا لشيء خلق ليعلم فو اللّه ليوفينهم ربك أعمالهم وان قرئ بتخفيفها بلا عمل فمعناه ليس كل الا ليوفينهم وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى موفيا لأعمال ما فيها من المعانى الظاهرة والباطنة
(فَاسْتَقِمْ) في الأعمال فاعملها (كَما أُمِرْتَ) لأنه ما أمرك الا بأكمل الوجوه ولا يختص هذا الأمر بل أنت مأمور به (وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَ) كيف لا تؤمرون بذلك والاخلال به طغيان (لا تَطْغَوْا) أي لا تجاوزوا حد ما أمركم اللّه به (إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيبصر ما وقع فيه التجاوز
(وَ) كما نهيتم عن الطغيان نهيتم عن الميل إلى أهله (لا تَرْكَنُوا) أي لا تميلوا (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) فانه ان لم يوجب الخلود في النار فلا أقل من