تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 358
وآلى لئلا يستغرق في العجب بنسبتهم إلى نفسه بل سماه كأنه أجنبى ولا يبعد ذلك فإن الولد سرابيه فيتمها عليك (كَما أَتَمَّها) علىّ بل (عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ) أي قبل أبيك فهي سنة في هذا البيت (إِبْراهِيمَ) منبع هذا الكمال (وَإِسْحاقَ) حامل سره ثم سرى إلى المستعدين له من أولادهم (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ) بالاستعدادات (حَكِيمٌ) يعطى كل مستعد ما يستعد له ومن فوائد هذا المقام استحباب كتمان السر وجواز التحذير عن شخص بغيبة ومدح الشخص في وجهه إذا لم يضره واعتبار السبب وان لم يؤثر وان الكل حادث تأويلا عند الاولياء وانه يعبر الرؤيا من الصغار وان كان من عالم الخيال إذ تصوّر المخيلة معانى معقولة بصور محسوسة فترسلها إلى الحس المشترك فيشاهدها والصادقة منها ما تكون باتصال النفس عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فيتصوّر بما فيها مما يناسب المعانى فإن كانت شديدة المناسبة استغنت عن التعبير والا احتاجت إليه فالاخبار عن هذه الرؤيا آية وعما ترتب عليها آيات
(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ) من الاخبار الغيبية (لِلسَّائِلِينَ) عنها سيما إذا بينت بآيات القرآن المعجزة في أنفسها ومما ترتب على هذه الرؤيا مزيد محبة أبيه اياه الموجبة مزيد حسد الاخوة
(إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ) بذاته (وَأَخُوهُ) من الابوين بنيامين بتبعيته (أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا) مع انه لا ينتفع بمحبتهما لضعفهما (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي جماعة يتقوى بهم ويستعان بهم في الشدائد فلو أحبنا لكان له أنفع (إِنَّ أَبانا) وإن كان ظاهر الرشد في أبواب الدين (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي خطا ظاهر في هذه المحبة ولا يقدح هذا في عصمتهم بالحقيقة لأنهم كانوا طالبين مزيد محبة الانبياء عليهم السّلام الموجبة مزيد محبة اللّه اياهم وكذا حسدهم كان سبب وصول المحسود إلى كمالاته فلم يكن حسدا بالحقيقة لكنهم لم يعصموا في الظاهر قبل النبوة
(اقْتُلُوا يُوسُفَ) ليذهب محل مزيد محبته بالكلية فيرجع إليهم محبته بالكلية (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا) مجهولة لا يعرفها الأب ولا يمكن ليوسف أن يعرف طريق الوصول إليه فيذهب محل مزيد محبته عن المحب فيرجع إليهم ففى كل حال (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) أي توجهه بالمحبة وغيرها (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ) بكمال توجه أبيكم اليكم (قَوْمًا صالِحِينَ) يكون صلاحكم فداء عن معصية قتله أو طرحه مع رضا الوارث وعفوه
(قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) صريحا ورضى به الباقون ولذلك لم ينسبه إلى معين وهو يهوذا أو روبيل (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) فإن القتل من الكبائر التي يخاف معها سد باب الصلاح (وَ) افعلوا معه ما هو أشد من الطرح (أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) أي في ظلمة البئر العميق فإن يعش (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) أي بعض من يمر به فيتملكه فلا يمكنه الرجوع إلى الأب فيحصل مطلوبكم من غير ارتكاب كبيرة يخاف معها سد باب الصلاح (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) مع ان الاولى ان لا تفعلوا هذا القدر أيضا ولما غلب عليهم الحسد المفضى للتفريق الكلى ولا يمكن قبل نزعه عن يديه ولم يمكن مع عدم ائتمانه اياهم مكروا به إذ
(قالُوا يا أَبانا) نادوه باسم الأب ليميل إليهم فيحبهم فيعمى عن عيوبهم (ما لَكَ) أي أي حال حصل لك مما رأيت منا حتى صرت (لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ) أي مستمرون على محبته والقيام بمصالحه