فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 365

تسلما صرتما إلى السجن الأخروى وان أسلمتما خلصتما منه ومن السجن الدنيوى (أَمَّا أَحَدُكُما) وهو الساقى (فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا) كما رآه من غير تأويل (وَأَمَّا الْآخَرُ) فبعض رؤياه يحتاج إلى التأويل فالخبز ما في رأسه ولا تسلط الطيور عليه الا بعد القتل والصلب فتترك الطير بحالها ويؤوّل الباقى (فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) ثم قالا لم نريا شيأ فقال (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) بما جرى على لسان الانبياء وافق استفتاؤكم الواقع ام لا ثم أشار إلى أن هذا وان كان سبب وصوله إلى الملك لكنه لما اعتبر مجرد السبب بدون النظر إلى المسبب كان سبب غيرة الحق عليه وهي وان لم تبطل السببية أخرت تأثيره

(وَ) ذلك لأنه (قالَ لِلَّذِي ظَنَّ) أي علم بطريق تعبير الرؤيا الذي أصله ايجاب الظن (أَنَّهُ ناجٍ) من القتل والبعد من الملك (مِنْهُمَا) أي من صاحبى السجن وهو الساقى (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أي سيدك بأنى محبوس ظلما وانى أعلم تعبير الرؤيا واخبر عن الغيب بلا كهانة وتنجيم وانى داع إلى التوحيد ومقيم للدين القيم التفت إليه والى اعانته والى الملك وتخليصه من السجن (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ) وإن لم يكن له عليه سلطان لكن جعل له دخل بما التفت إليه (ذِكْرَ رَبِّهِ) ان يستعين به بذاته أو باعتبار ظهوره في الأسباب فغار عليه ربه فأنسى الساقى ان يذكره عند ربه الا بعد مدة وأنسى العزيز ان يخرجه من السجن بعد مضى زمن التهمة (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ما بين الثلاث إلى السبع أو التسع أو العشر والاكثر ان المراد السبع مع خمس مضت ولم ينص على عدد لأن الابهام أشد في ايهام الطول

(وَ) لما تمت المدة ظهر أثر السبب بضميمة سبب آخر وهو رؤيا الملك حيث (قالَ الْمَلِكُ) الريان بن الوليد (إِنِّي أَرى) في المنام (سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ) فجمع السحرة والكهنة وقال لهم (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) أي الاشراف (أَفْتُونِي) أي أجيبونى (فِي) تعبير (رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) أي ان صدقتم في دعوى العلم بكيفية العبور من الصور المتخيلة للمعانى المكشوفة إلى الصور الحسية لها

(قالُوا) امثال هذه الرؤيا (أَضْغاثُ أَحْلامٍ) أي منامات خلط فيها الخيال الصور فلا يدرك المعنى المكشوف منها (وَ) نحن وان كنا علماء التأويل (ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ) جميع (الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) وانما نعلم تأويل الاحلام الصادقة وهذا تعجيز من اللّه لهم ليراجع يوسف فيكون سبب خلاصه وارتفاع حاله

(وَ) ذلك انه (قالَ) الساقى (الَّذِي) جرب تأويله وانتفع به لأنه الذي (نَجا مِنْهُما) أي من صاحبى السجن وكان حقه ان يسعى في تخليصه يوم نجاته ولكن أنساه اللّه (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي جماعة من السنين (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) أي أخبركم بعالم تأويله وان لم يعلم هؤلاء تعبيره ولا من يعلمه وكذلك لا تعلمونه لو وصفته لكم لرثاثة حاله من بقائه في السجن هذه المدة (فَأَرْسِلُونِ) إلى مكانه لاريكم اياه فجاءه فقال يا

(يُوسُفُ) ناداه باسمه العلم ليزداد تمييزا ولما كانت حاله مع ذلك توجب نكارته قال (أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) فميزه بوصف الصديقية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت