فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 370
يتوهم عوده إلى يوسف (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) أي يا راكبى الابل أو الحمير التي تعير أي تجيء وتذهب (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) أي ان فيكم سارقا يسرى خزيه جميع من في صحبته واقاربه كانهم سارقون وهو من المعاريض لأنهم سرقوا يوسف حين القوه في البئر وباعوه
(قالُوا وَ) لم يكن قولهم حال ادبارهم على قصد ان يفروا بل قد (أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ) أي على الموذن واصحابه وان كان هو واصحابه بحيث لا يقاومونهم سائلين لهم (ما ذا تَفْقِدُونَ) من الشيء العظيم الذي تنسب سرقته إلى أمثالنا
(قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ) فانه وان كان هينا بكونه صواعا عظم لنسبته إلى الملك مع انه كان سقايته من ذهب مرصع بالجواهر (وَ) لعظمته الجعل (لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) من الطعام في ايام الغلاء (وَ) هو وان كان على الملك يعسر مطالبته (أَنَا بِهِ زَعِيمٌ) أي ضامن
(قالُوا تَاللَّهِ) قسم فيه معنى التعجب (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) مما لاح لكم من دلائل صلاحنا وامانتنا الموجبة تعظيمكم ايانا (ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ) بوجه من الوجوه (وَ) على الخصوص (ما كُنَّا سارِقِينَ) في زمن من الأزمنة
(قالُوا) أي المؤذن واصحابه ان كان فيكم السارق (فَما جَزاؤُهُ) بل فما جزاء كذبكم (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) في دعوى البراءة
(قالُوا جَزاؤُهُ) أي جزاء السارق وهو (مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) وإن زعم انه اعطاه غيره أو دسه في رحله من غير شعور منه (فَهُوَ) أي استرقاقه سنة (جَزاؤُهُ) كانه صار جزاء نفسه وذلك لأنه لا يختص هذا بالسارق الحقيقى بل (كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) فاخذ المؤذن في التفتيش
(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ) أي بتفتيش أوعية غيره حتى فتشها جميعا (قَبْلَ) تفتيش (وِعاءِ أَخِيهِ) إذ لو بدأ به لقيل انه الذي أدرجها فيه (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ) وإن كان فيه خزيه من اضافته إليه وليس هذا كيدا مذموما لأنه (كَذلِكَ) أي مثل ما كاد يوسف لامساك أخيه كاد اخوة يوسف لتغبيبه وان كان نافعا له بحيث ينتسب الينا فيقال (كِدْنا لِيُوسُفَ) إذ القاه اخوته في الجب وباعوه وجعلته امرأة العزيز في السجن وانما ترك في حق اخيه قاعدة الملك تضمين السارق مثلى ما سرق لأنه (ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ) بحيث لا يفارقه اصلا لو عامله بما (فِي دِينِ الْمَلِكِ) كيف وفيه تسوية بينه وبين سائر الناس فلا يفعله (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) التسوية بينهم لكن (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) فنميزه من سائر الناس ولو بالتشديد على نفسه ومزيد الخزى في حقه باسترقاقه سنة وانما أراد رفع درجة أخيه بهذا التميز لما رفع اللّه درجته بالعلم وقد علم ان الحر يستحق من الحد والتعزيز فوق ما يستحقه العبد وهذا بحسب ظاهره ما نسب إليه من السرقة وبحسب الباطن قصد امساكه لمزيد التلطف به وهذا من مزيد علمه به (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) ما لم ينته الأمر إلى اللّه الذي لا يتنكر علمه
(قالُوا) لرفع الخزى عن أنفسهم (إِنْ يَسْرِقْ) بنيامين أورد لفظ الشك لاحتمال دسها في رحله من غير شعور منه كما فعل ببضاعتهم فليست هذه السرقة مما أخذها منا حتى يلحقنا الخزى بل من أخيه الهالك (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ) نكروه تحقيرا له بكونه نكرة لا يتعرف وسرقته خباوه طعام المائدة للفقراء (مِنْ قَبْلُ) فتعلمها منه (فَأَسَرَّها) أي تلك الكلمة المراد بها (يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) فانه هو